اتفاقية 29 كانون الثاني والاندماج.. نعمة أم نقمة على المدنيين؟

مؤسسة نودممنذ 48 ثانيةآخر تحديث :
اتفاقية 29 كانون الثاني والاندماج.. نعمة أم نقمة على المدنيين؟
  • اتفاقية 29 كانون الثاني والاندماج.. نعمة أم نقمة على المدنيين؟

بقلم: الدكتور مسعود حامد

لم تكن الحواجز الأمنية على طرقات الجزيرة السورية مجرد نقاط عبور، بل كانت جزءاً من منظومة أمنية اعتاد السكان وجودها، وشكّلت بالنسبة إلى كثيرين أحد مظاهر الشعور بالأمان. لكن مع اتفاقية 29 كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، وما رافقها من حديث عن إلغاء الحواجز وتسهيل حركة المدنيين، بدأ سؤال جوهري يفرض نفسه: هل جاء الاندماج ليمنح السكان مزيداً من الأمان، أم أن المدنيين باتوا يدفعون ثمن إجراءات لم تُحسب نتائجها كما ينبغي؟

 

من حق المواطن أن يتنقل بحرية، ومن حقه أيضاً أن يسأل: ما قيمة حرية المرور إذا أصبح الطريق مصدر خوف، وما جدوى إزالة الحواجز إذا كانت المخاوف من السرقة والخطف والابتزاز وطلب الفديات تتزايد، وتصل بعض الجرائم إلى القتل والحرق؟ هل كانت الحواجز هي المشكلة، أم أن المشكلة تكمن في غياب البديل الأمني القادر على حماية الناس بعد إزالتها؟

 

إن الاتفاقات السياسية لا تُقاس بالنوايا المعلنة، ولا بعدد البنود التي يجري تنفيذها، بل بنتائجها على حياة المواطنين. وإذا كان إلغاء الحواجز خطوة نحو الاندماج، فأين الإجراءات التي تضمن ألّا تتحول الطرقات إلى مساحات مفتوحة أمام الخارجين عن القانون؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يفقد المدنيون شعورهم بالأمان؟ وهل جرى تقدير العواقب الأمنية لهذه الخطوة قبل اتخاذها، أم أن حياة الناس تُركت رهينة التجربة والانتظار؟

 

والأخطر من ذلك أن تزامن هذه المخاوف مع أحداث وتوترات في مدينة الحسكة، وظهور رايات منسوبة إلى تنظيمات إرهابية خلال بعض المظاهرات، يطرح تساؤلات لا يمكن تجاهلها. فهل نحن أمام أحداث متفرقة لا رابط بينها، أم أن هناك أطرافاً تستغل الثغرات الأمنية والتوترات الاجتماعية لتهيئة مناخ من الفوضى وإشعال الفتنة؟ إن الإجابة لا تكون باتهامات بلا أدلة، بل بكشف الحقائق والتحقيق في الوقائع ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أياً كانت الجهة التي ينتمي إليها.

 

أما الحكومة السورية الانتقالية والجهات الأمنية، فلا يمكنها التعامل مع هذه المخاوف باعتبارها مجرد هواجس شعبية. فالمسؤولية الأمنية لا تنتهي عند إصدار القرارات أو الإعلان عن الاتفاقات، بل تبدأ فعلياً عندما يصبح المواطن قادراً على التنقل دون خوف، وعندما يشعر بأن حياته وكرامته ليستا عرضة للابتزاز أو الاستهداف.

 

وفي المقابل، فإن التظاهر لا يمنح أحداً الحق في بث الكراهية أو الترويج لرموز التنظيمات الإرهابية أو استهداف مكونات المنطقة. ومن يرفع شعارات متطرفة أو يسعى إلى تأجيج الانقسام، لا يخدم مطالب الناس ولا يساهم في بناء الاستقرار، بل يهدد السلم الأهلي ويضع أبناء المنطقة في مواجهة بعضهم بعضاً. فالجزيرة السورية ليست ملكاً لطرف واحد، ولن يكون أمنها ممكناً عبر التخويف أو التحريض أو فرض واقع بالقوة.

 

إن ما يجري يضع الجميع أمام اختبار حقيقي، لكنه يضع الحكومة والجهات الأمنية بصورة خاصة أمام مسؤولية لا يمكن التنصل منها: إما أن تثبت أن الاتفاقية قادرة على حماية المدنيين، وأن الاندماج يعني توحيد المسؤوليات الأمنية وضمان الحقوق، وإما أن تستمر المخاوف في التوسع، ويجد المتطرفون والخارجون عن القانون في الثغرات القائمة فرصة لفرض حضورهم على حساب استقرار المجتمع.

 

فهل كانت إزالة الحواجز خطوة نحو حياة أكثر أماناً، أم أن الطريق إلى الاندماج فُتح أمام مخاطر لم يُحسب حسابها؟ ومن يضمن للمدنيين ألّا تتحول الوعود بالاستقرار إلى واقع من الخوف والقلق؟

 

إن الاندماج ليس غاية بحد ذاته إذا لم ينعكس أمناً وكرامة على حياة الناس. ولا يمكن بناء الثقة بين المجتمع والسلطات عبر الشعارات وحدها، بل عبر حماية المواطنين ومحاسبة المجرمين ومنع استغلال الخلافات السياسية والقومية والدينية لإشعال الفتن.

 

فالنعمة الحقيقية ليست في إزالة الحواجز، بل في إزالة الخوف من قلوب الناس. أما إذا اختفى الحاجز وبقي الخوف، فإن السؤال سيظل قائماً: من حمى الطريق، ومن ترك المدنيين وحدهم في مواجهة المجهول؟

الاخبار العاجلة