ثمانية مقاعد مقابل آلاف الضحايا.. سقوط الوهم السياسي الكردي

Spread the love

بقلم: الدكتور مسعود حامد

تشكّل الانتخابات التي أُجريت في المناطق الكردية السورية واحدة من أكثر اللحظات السياسية إثارةً للجدل في تاريخ القضية الكردية الحديثة. فبدلاً من أن تكون محطة لإثبات الوجود السياسي الكردي وترسيخ الشراكة الوطنية، بدت وكأنها عرض شكلي أُعدّ بعناية لإعادة إنتاج سلطة مركزية جديدة بوجوه مختلفة، بينما بقي الكرد خارج معادلة القرار الحقيقي.

 

لم تكن المشكلة في عدد المقاعد الممنوحة للكرد فقط، بل في الفكرة ذاتها؛ فكرة التعامل مع شعب قدّم آلاف الضحايا وكأنه “أقلية تُمنح حصتها” داخل مجلس تتحكم بأغلبيته تيارات إسلامية وقوى مرتبطة بمراكز النفوذ الجديدة. ثمانية مقاعد لا تمثل حجم التضحيات، ولا تعكس الثقل السكاني والسياسي للكرد، بل تُستخدم كواجهة لإظهار صورة “التنوع” أمام الرأي العام، في وقت يجري فيه تهميش المطالب الجوهرية المتعلقة بالهوية والحقوق والشراكة السياسية.

 

الأخطر من ذلك كان موقف الأحزاب والقوى السياسية الكردية التي دخلت هذه الانتخابات دون مشروع موحد، ودون رؤية سياسية واضحة، وكأنها تسير نحو معركة خاسرة وهي تدرك مسبقاً نتائجها. ما حدث لم يكن تنافساً سياسياً حقيقياً، بل انكشافاً عميقاً لحالة الإفلاس التي وصلت إليها الحركة السياسية الكردية بعد عقود من النضال والشعارات.

 

لقد نجح النظام السوري، ومعه القوى المستفيدة من الانقسام الكردي، في استغلال حالة التشرذم هذه بأفضل صورة ممكنة. فبدلاً من مواجهة مطالب كردية موحدة، وجد أمامه عشرات الأصوات المتصارعة على مكاسب محدودة ومقاعد رمزية. وهكذا تحولت الانتخابات إلى أداة لتكريس الانقسام، لا لمعالجة الأزمة.

 

المفارقة المؤلمة أن الكرد، وفي زمن حافظ الأسد، ورغم القبضة الأمنية الشديدة، استطاعوا انتزاع تمثيل سياسي محدود عبر شخصيات فرضت حضورها رغم التضييق. أما اليوم، وبعد كل ما جرى من تضحيات ودماء وحروب ومعارك ضد الإرهاب، يعود المشهد إلى ما هو أسوأ من نقطة البداية. فالقضية التي دفعت أجيال كاملة أثماناً باهظة دفاعاً عنها، أصبحت تُدار بصمت، وكأن المطلوب دفنها سياسياً لمئة عام أخرى.

 

إن أخطر ما تواجهه القضية الكردية اليوم ليس فقط الإقصاء الخارجي، بل حالة الوهم الداخلي التي تعيشها بعض القوى السياسية، تلك التي تحاول تصوير المشاركة في أي عملية شكلية على أنها “إنجاز”. بينما الحقيقة أن أي مشاركة لا تقوم على ضمان الحقوق الدستورية والاعتراف السياسي الحقيقي، ليست سوى مساهمة مجانية في منح الشرعية لسلطة لا ترى في الكرد سوى ورقة مؤقتة.

 

لقد أثبتت هذه الانتخابات أن النظام، مهما تغيرت وجوهه وخطابه، ما يزال يعتمد السياسة ذاتها: تفتيت الخصوم، استغلال الانقسامات، ومنح تمثيل رمزي بلا تأثير فعلي. أما الأحزاب الكردية، فقد وجدت نفسها أمام اختبار تاريخي فشلت في اجتيازه، بعدما قدّمت خلافاتها الحزبية الضيقة على المصلحة القومية العامة.

 

ويبقى السؤال الأكثر قسوة: كيف يمكن لشعب قدّم كل هذه التضحيات أن يجد نفسه اليوم بلا مشروع موحد، وبلا قوة سياسية قادرة على حماية ما تبقى من قضيته؟

  • Related Posts

    توم براك والعودة إلى الشرق الأوسط.. هل بدأت مرحلة جديدة من الضغوط على الكرد؟

    Spread the love

    Spread the loveبقلم الدكتور : مسعود حامد   لا ينظر كثير من الكرد إلى عودة توم براك إلى واجهة المشهد السياسي في الشرق الأوسط باعتبارها مجرد تغيير في الأسماء أو…

    احتجاج في مديرية المختبرات بدمشق: مطالب بإعادة النظر بالزيادات وإنصاف العاملين

    Spread the love

    Spread the loveتقرير: نوجان ملا حسن

    You Missed

    Coronavirus disease 2019

    • من Nudem
    • يونيو 16, 2026
    • 7 views

    توم براك والعودة إلى الشرق الأوسط.. هل بدأت مرحلة جديدة من الضغوط على الكرد؟

    • من @massoud
    • يونيو 15, 2026
    • 88 views
    توم براك والعودة إلى الشرق الأوسط.. هل بدأت مرحلة جديدة من الضغوط على الكرد؟

    Vipluck

    • من Nudem
    • يونيو 9, 2026
    • 57 views

    Mother your children are like birds

    • من Nudem
    • يونيو 7, 2026
    • 44 views

    احتجاج في مديرية المختبرات بدمشق: مطالب بإعادة النظر بالزيادات وإنصاف العاملين

    • من @massoud
    • مايو 25, 2026
    • 148 views
    احتجاج في مديرية المختبرات بدمشق: مطالب بإعادة النظر بالزيادات وإنصاف العاملين

    شيخ الشهداء معشوق الخزنوي يرقد في مثواه الجديد بمقبرة الشهداء

    • من @massoud
    • مايو 25, 2026
    • 153 views
    شيخ الشهداء معشوق الخزنوي يرقد في مثواه الجديد بمقبرة الشهداء