إقليم كردستان أمام مرحلة سياسية دقيقة… الحوار ضرورة ووحدة الإقليم خط أحمر

مؤسسة نودممنذ 54 دقيقةآخر تحديث :
إقليم كردستان أمام مرحلة سياسية دقيقة… الحوار ضرورة ووحدة الإقليم خط أحمر

بقلم الكاتب: يونس صالح

تمرّ تجربة إقليم كردستان العراق بمرحلة سياسية حساسة، في ظل التطورات الأخيرة المتعلقة بإعادة تفعيل برلمان كردستان، وما رافقها من خلافات واعتراضات بين القوى السياسية الرئيسية، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. وهي تطورات لا تتعلق فقط بعمل البرلمان أو تشكيل الحكومة، بل تطرح تساؤلات أوسع حول مستقبل الشراكة السياسية وطبيعة إدارة الإقليم في المرحلة المقبلة.

 

إن إعادة تفعيل برلمان كردستان تمثل خطوة مهمة نحو استعادة الحياة المؤسساتية وإنهاء حالة التعطيل التي أثّرت على العمل السياسي والتشريعي في الإقليم. فوجود برلمان فاعل ضرورة أساسية لأي تجربة ديمقراطية، ومن المهم أن تمارس المؤسسات الدستورية دورها بعيداً عن التجاذبات الحزبية، مع احترام التعددية السياسية وحقوق مختلف الأطراف.

 

وفي المقابل، فإن اعتراض الاتحاد الوطني الكردستاني، بقيادة بافل طالباني، وانسحابه من حكومة الإقليم، يفتحان الباب أمام تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الحزبين الرئيسيين. وبرأينا، لم يكن الانسحاب الخيار الأنسب لمعالجة الخلافات في هذه المرحلة، إذ كان من الأفضل استمرار الحوار داخل المؤسسات السياسية، والبحث عن تفاهمات تحفظ حقوق الشركاء وتمنع اتساع دائرة الخلاف.

 

ومن الطبيعي أن تختلف القوى السياسية في رؤاها ومواقفها، وأن تكون لكل جهة مطالبها واستحقاقاتها، لكن المسؤولية الوطنية تقتضي ألا تتحول هذه الاختلافات إلى عائق أمام استقرار الإقليم أو إلى سبب لتعطيل مؤسساته. فالشراكة السياسية لا تعني غياب الخلاف، وإنما تعني امتلاك القدرة على إدارته والوصول إلى حلول مشتركة.

 

وحدة إقليم كردستان ليست مسألة قابلة للمساومة السياسية

 

من أكثر المسائل التي تستحق التوقف عندها ما يُطرح من دعوات أو أفكار تتعلق بفصل السليمانية عن إقليم كردستان أو إنشاء واقع سياسي وإداري منفصل. إن مثل هذه الطروحات، مهما كانت خلفياتها، لا تخدم مستقبل الإقليم، ولا تقدم حلولاً حقيقية للخلافات القائمة.

 

لقد عانى الشعب الكردي كثيراً، وقدم تضحيات جسيمة عبر عقود طويلة من النضال، ودفع ثمناً باهظاً حتى استطاع بناء تجربته السياسية والإدارية وترسيخ مؤسسات إقليم كردستان. ولذلك، ليس من المقبول أن تصبح الخلافات بين القيادات والأحزاب مدخلاً للحديث عن تقسيم الإقليم أو فصل جزء من جغرافيته عن الآخر.

 

فالسليمانية ليست مجرد مدينة أو منطقة إدارية، بل هي جزء أصيل من تاريخ كردستان وهويتها السياسية والثقافية، شأنها شأن أربيل ودهوك وحلبجة. ولا يمكن التعامل مع وحدة الإقليم باعتبارها مسألة مرتبطة بالخلافات الحزبية أو بموازين القوى السياسية.

 

إن الحفاظ على وحدة كردستان يتطلب من جميع الأطراف الابتعاد عن الخطابات التي قد تعمّق الانقسام، والعمل بدلاً من ذلك على معالجة جذور الخلافات من خلال الحوار والتفاهم.

 

الحكومة والشراكة السياسية مسؤوليتان متكاملتان

 

إن الموقف يتطلب دعم واستقرار حكومة إقليم كردستان واستمرارها في أداء مسؤولياتها بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني، باعتبار أن استقرار المؤسسات واستمرارية عمل الحكومة أمران أساسيان لمصلحة المواطنين. وفي الوقت نفسه، فإن هذا الدعم لا يعني إغفال أهمية الشراكة السياسية أو تجاهل مطالب القوى الأخرى.

 

فالإقليم بحاجة إلى حكومة فاعلة، وبرلمان يمارس دوره التشريعي والرقابي، وعلاقة سياسية متوازنة بين مختلف الأطراف. كما أن نجاح التجربة الكردستانية لا يقاس فقط بقدرة حزب على إدارة الحكومة، بل بمدى قوة المؤسسات واحترام القانون وقدرتها على خدمة جميع المواطنين دون تمييز.

 

الحوار هو الطريق لتجاوز الأزمة

 

في ظل هذه الظروف، تقع مسؤولية كبيرة على قيادتي الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. ومن الضروري أن تكون هناك مبادرة سياسية جادة لعقد حوار مباشر وعلى أعلى المستويات، بعيداً عن التصعيد الإعلامي والمواقف المتشنجة.

 

هذا الحوار يجب ألا يقتصر على معالجة الخلافات الآنية أو توزيع المسؤوليات والمناصب، بل ينبغي أن يتناول مستقبل الشراكة السياسية، وآليات اتخاذ القرار، وضمانات احترام المؤسسات الدستورية، ووضع أسس تمنع تكرار الأزمات السياسية في المستقبل.

 

إن المطلوب ليس أن يتنازل طرف عن وجوده السياسي، ولا أن يفرض طرف رؤيته على الآخرين، بل أن يتفق الجميع على قواعد واضحة لإدارة الإقليم، وأن تكون مصلحة الشعب واستقرار المؤسسات فوق المصالح الحزبية.

 

كلمة أخيرة

 

إن تجربة إقليم كردستان تمثل ثمرة سنوات طويلة من النضال والتضحيات، ومن واجب جميع القوى السياسية الحفاظ على هذه التجربة وتطويرها، لا تعريضها لمزيد من الانقسامات.

 

قد تختلف الأحزاب، وقد تتغير التحالفات والحكومات، لكن الجغرافيا والتاريخ والتضحيات المشتركة تبقى أكبر من جميع الخلافات السياسية.

 

إن كردستان اليوم بحاجة إلى حوار حقيقي، وشراكة مسؤولة، ومؤسسات قوية، وقيادات تدرك حجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها.

 

فلا للدعوات إلى تقسيم الإقليم، ولا لتعطيل المؤسسات، ولا لتحويل الخلافات الحزبية إلى انقسامات جغرافية. نعم للحوار، ونعم للشراكة، ونعم لكردستان موحدة ومستقرة تحفظ مكتسبات شعبها وتطلعات أجياله القادمة.

الاخبار العاجلة