بقلم: الدكتور مسعود حامد
ليس كل من يخرج إلى الشارع متظاهراً، وليس كل من يرفع شعار الحقوق يمارس حقاً مشروعاً. فهناك فارق جوهري بين الاحتجاج السلمي الذي يعكس وعياً سياسياً ومجتمعياً، وبين أعمال التخريب والنهب والحرق التي تستهدف أمن المجتمع واستقراره، وتحوّل المطالب المشروعة إلى فوضى يدفع ثمنها المواطنون قبل غيرهم.
أصبحت مشاهد التخريب والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة في فرنسا مادة حاضرة في النقاش الإعلامي والسياسي، وسط جدل واسع حول حدود حرية التعبير، ودور الدولة في حماية الأمن العام، ومسؤولية وسائل الإعلام في نقل الصورة كاملة، بعيداً عن الانتقائية أو الاكتفاء بمشاهد المواجهة بين الشرطة والمحتجين.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل حرق السيارات، ونهب المحال التجارية، وتكسير واجهات المتاجر، والاعتداء على عناصر الشرطة والمدنيين، يمكن أن يُصنّف تحت عنوان حرية التعبير عن الرأي؟ وهل يصبح الاستيلاء على ممتلكات الآخرين وسيلة مشروعة للمطالبة بالحقوق؟
حرية التعبير حق، والتظاهر السلمي حق، لكن التخريب والنهب والاعتداء على الآخرين ليست حقوقاً، ولا يمكن تبريرها تحت أي شعار سياسي أو اجتماعي.
إن الدولة الفرنسية، بمؤسساتها وقوانينها، تتحمل مسؤولية أساسية في حماية المواطنين وصون ممتلكاتهم وضمان الأمن العام. ومن حق المواطن الفرنسي أن يعيش بأمان، وأن يذهب إلى عمله دون خوف، وأن يفتح متجره دون أن يتحول إلى ضحية لأعمال التخريب، وأن يركن سيارته في الشارع دون أن يجدها محترقة في اليوم التالي.
كما أن عناصر الشرطة، بصفتهم مكلفين بإنفاذ القانون وحماية الأمن العام، ليسوا هدفاً مشروعاً للاعتداء، تماماً كما أن وجودهم في الميدان لا يعفيهم من الالتزام بالقانون واحترام الحقوق والحريات. فالمعادلة السليمة تقوم على سيادة القانون، ومحاسبة كل من يتجاوزه، سواء كان مخرباً أو مسؤولاً يتجاوز صلاحياته.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز دور الإعلام بوصفه مسؤولية مهنية وأخلاقية. فمن حق وسائل الإعلام تسليط الضوء على أي استخدام مفرط للقوة، ومن واجبها نقل الوقائع والتحقق منها، لكن من غير المقبول أن تختزل الصورة بأكملها في مشاهد تدخل الشرطة، بينما تتراجع مشاهد نهب المتاجر وحرق السيارات والاعتداء على المدنيين إلى الهامش. إن التغطية المهنية لا تعني الدفاع عن طرف على حساب آخر، بل تعني عرض الوقائع كاملة، وتسمية الأفعال بأسمائها، والتمييز بين المتظاهر السلمي ومن يحوّل الاحتجاج إلى فرصة للفوضى.
أما تحميل المهاجرين مسؤولية أعمال التخريب بصورة جماعية، فهو تعميم لا يخدم الحقيقة ولا العدالة. فالمهاجرون ليسوا كتلة واحدة، وبينهم من يعمل ويدرس ويسهم في المجتمع الفرنسي ويحترم قوانينه، كما أن مسؤولية أي جريمة تقع على مرتكبها، لا على أصوله أو جنسيته. وفي المقابل، لا ينبغي أن يمنح الانتماء إلى أي فئة أو المطالبة بالحقوق حصانة من المساءلة القانونية.
ومن اختار فرنسا وطناً للإقامة، أو جاء إليها طلباً للأمان والتعليم والعمل، فإن احترام قوانينها ومؤسساتها وممتلكات سكانها يشكل جزءاً أساسياً من مسؤولياته، مثلما تقع على الدولة مسؤولية حماية حقوقه وضمان المساواة أمام القانون. فالعلاقة بين الفرد والدولة لا تقوم على الحصول على الحقوق وحدها، بل أيضاً على احترام الواجبات والقواعد التي تحفظ للجميع حق العيش المشترك.
ولا يعني ذلك أن فرنسا فوق النقد، أو أن سياساتها وقرارات حكوماتها بمنأى عن النقاش والمحاسبة. فالديمقراطية الحقيقية تقوم على حق الاعتراض ومساءلة السلطة وتغيير السياسات بالوسائل القانونية والسلمية. لكن الاحتجاج الذي يدمّر الممتلكات ويهدد حياة الناس لا يضعف الدولة وحدها؛ بل يضر بالمجتمع، ويثقل كاهل أصحاب الأعمال والعمال والعائلات، وقد يسيء إلى القضايا التي يرفع المحتجون شعاراتها.
إن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، بل أيضاً بقدرتها على حماية الحقوق، وضمان العدالة، والتعامل مع الاحتجاجات ضمن القانون. وفي المقابل، لا تُقاس مشروعية المطالب بارتفاع أصوات أصحابها أو بحجم الفوضى التي يخلّفونها، وإنما بعدالة مطالبهم واحترامهم حقوق الآخرين.
فرنسا ليست ملكاً لحكومة بعينها، ولا لفئة اجتماعية دون أخرى؛ إنها وطن لمواطنيها ومجتمع يعيش فيه أناس من خلفيات متعددة، ويجمعهم إطار قانوني واحد. وحماية هذا الوطن مسؤولية الدولة والمجتمع معاً، ولا يمكن بناء مستقبل أفضل عبر إحراق ما بناه الناس بجهدهم، أو تحويل الشوارع إلى ساحات للترهيب، أو جعل المتاجر والسيارات والمباني العامة أهدافاً للغضب.
في النهاية، لا تعارض بين الدفاع عن حرية التعبير والوقوف إلى جانب حق الدولة في حماية الأمن العام. بل إن احترام القانون هو الضمانة التي تحمي الاثنين معاً. ومن يريد تغيير السياسات أو المطالبة بحقوقه، فليعبّر عن موقفه بحرية وسلمية، وليحاسب المسؤولين بالوسائل الديمقراطية، لا عبر الاعتداء على المدنيين أو نهب أرزاقهم.
ما هكذا تُصان الحقوق، ولا هكذا تُبنى الديمقراطيات. فالتظاهر حق، والتخريب جريمة، وسيادة القانون ليست قمعاً للحريات، بل هي السياج الذي يحمي حرية الجميع






![{"remix_data":[],"remix_entry_point":"challenges","source_tags":["local"],"origin":"unknown","total_draw_time":0,"total_draw_actions":0,"layers_used":0,"brushes_used":0,"photos_added":0,"total_editor_actions":{},"tools_used":{"square_fit":2},"is_sticker":false,"edited_since_last_sticker_save":true,"containsFTESticker":false}](https://nudem.org/wp-content/uploads/2026/07/Picsart_26-07-17_15-24-58-434.jpg)






