خاص: Nûdem

في مثل هذا اليوم من عام 1960، احترقت أرواح الطفولة في مدينة عامودا الكردية، لتتحول السينما التي كان يفترض أن تكون مساحةً للفرح، إلى مقبرةٍ جماعيةٍ لأحلام الصغار.
إنها الذكرى الخامسة والستون لمجزرة سينما عامودا، حين ابتلعت النيران أكثر من 283 طفلاً كردياً، في واحدةٍ من أبشع الكوارث الإنسانية التي شهدتها سوريا في ظل الجمهورية العربية المتحدة، تحت حكم جمال عبد الناصر.
في ذلك اليوم المشؤوم، دُعي تلاميذ المدارس لحضور عرضٍ سينمائيٍّ خيريّ في قاعة صغيرة تُعرف باسم سينما شهرزاد. قيل إن ريع العرض سيُرسل لدعم الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، فهرع الأطفال ببراءتهم، يملؤهم الفضول والحلم بصورةٍ على الشاشة، لا يدركون أن الصورة الأخيرة ستكون وهج النار وهي تلتهم أجسادهم.
كانت القاعة لا تتسع لأكثر من مئتي شخص، لكنها غصّت بأكثر من خمسمئة طفل تتراوح أعمارهم بين السابعة والثانية عشرة. وبينما كان الفيلم يُعرض، شبّ حريق مروّع بسبب خللٍ في جهاز العرض القديم. في لحظاتٍ معدودة، تحوّل المكان إلى جحيم، فالنيران اشتعلت في الجدران الخشبية والسقف القابل للاحتراق، وأبواب الخروج كانت مغلقة بإحكام، كأن القدر أراد أن يُغلق خلفهم آخر أبواب الطفولة.
تجمعت صرخات الأطفال مع دخان الاحتراق، واختلطت الأسماء بالنار، حتى لم يعد يُعرف من رحل ومن بقي. وفي دقائق قليلة، كان أكثر من 283 طفلاً قد رحلوا، بينما بقيت المدينة تحمل رائحة الرماد إلى اليوم.
لم يُفتح تحقيق، ولم يُحاسَب أحد. وكأن أرواح الأطفال لم تكن سوى أرقامٍ في زمنٍ لم يعترف بوجع الكرد ولا بإنسانيتهم. لهذا ظلّ أبناء عامودا يصفون ما حدث بـ المجزرة المتعمدة، لا بـ “حادث عرضي”. فالإهمال، وغياب الإنقاذ، وإغلاق الأبواب، كلّها جعلت النار تبدو مقصودة بقدرٍ من القسوة لا يحتمله العقل.
من بين الناجين القلائل، يروي أحدهم بصوتٍ متهدّج:
“احترقنا ونحن نحلم بفيلم… لكننا بقينا شهوداً على النار التي لم تكن صدفة. عامودا ما زالت تبكي أبناءها.”
منذ ذلك اليوم، يحيي أبناء عامودا الذكرى كل عام بدموع الشموع، وبصمتٍ مهيب أمام النصب التذكاري لشهداء السينما. أطفال الأمس صاروا رموزاً، وأسماؤهم محفورة في ذاكرةٍ لا تنسى.
لقد تحولت مجزرة سينما عامودا إلى جرحٍ مفتوحٍ في وجدان الكرد، وإلى لحظةٍ مفصلية في وعيهم الجماعي، حين أدركوا أن المأساة ليست قدراً، بل صرخة من أجل الكرامة والحق والعدالة.
خمسة وستون عاماً مضت، ولا تزال النار متقدة في الذاكرة…
نارٌ لم تطفئها العقود، لأنها ليست ناراً في الخشب، بل في القلب.
ولأن كل طفلٍ من أولئك الأطفال ما زال يعيش في ذاكرة مدينةٍ تحلم بالسلام، وتخشى أن يتكرر الحريق مرةً أخرى







