بقلم : الدكتور مسعود حامد
بدأت الأصوات تتعالى في أرجاء سوريا، لا بوصفها أصواتاً كردية أو عربية أو علوية، بل أصوات شعب سوري أنهكته سنوات الحرب والفقر، وينادي اليوم بحياة كريمة وحرية وعدالة.
لكن عندما طال انتظار الناس، ولم يجدوا من يسمع صوتهم أو يستجيب لمطالبهم، بدأت المطالب تتجاوز حدود المعيشة والغلاء، لتعود إلى الواجهة عبارات تشبه إلى حد كبير ما رفعه السوريون عام 2011:
«الشعب يريد إسقاط النظام».
المفارقة أن السوريين الذين خرجوا عام 2011 مطالبين بإسقاط النظام، عادوا اليوم، بعد سقوط نظام بشار الأسد، ليجدوا أنفسهم أمام أسئلة جديدة: هل انتهت المشكلة بسقوط النظام، أم أن المشكلة الأعمق كانت وما زالت في طريقة إدارة السلطة والدولة؟
بعد سقوط الأسد وتسلّم أحمد الشرع مقاليد السلطة، كان همّ قطاعات واسعة من السوريين واضحاً: التخلص من إرث النظام السابق، وإنهاء سنوات الخوف والقمع والحرب. ولهذا لم تكن الأسئلة المتعلقة بشكل السلطة الجديدة أولوية لدى الجميع في البداية.
لكن مع مرور الوقت، بدأت الأسئلة التي جرى تأجيلها تعود إلى الواجهة.
هل نحن أمام دولة جديدة فعلاً، أم أمام إعادة إنتاج لمنطق السلطة القديمة بأدوات وأسماء مختلفة؟
فحين تتركز السلطات في يد جهة واحدة، وحين يشعر المواطن أن القرار يُتخذ بعيداً عن صوته، تبدأ المخاوف من عودة النموذج الذي ثار السوريون ضده قبل سنوات.
والأخطر من ذلك أن الأزمة لم تعد سياسية فقط.
المواطن السوري اليوم يريد أن يعرف كيف سيؤمّن خبزه، وكيف سيدفع ثمن الوقود والكهرباء، وكيف سيؤمّن مستلزمات أسرته، وكيف سيجد فرصة عمل في بلد أنهكته الحرب.
فالجائع لا يستطيع الانتظار طويلاً، والفقير لا يعيش على الوعود.
وهنا تبدأ المعادلة الأكثر حساسية: عندما يعجز النظام السياسي عن تقديم حلول لمطالب الناس المعيشية، تتحول الأزمة الاقتصادية تدريجياً إلى أزمة ثقة، وعندما تفقد السلطة ثقة الشارع، تصبح كل القرارات موضع تساؤل.
لا يعني ذلك أن سوريا تعيش بالضرورة نسخة مطابقة لما حدث عام 2011؛ فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، والظروف السياسية والاجتماعية والعسكرية مختلفة تماماً. لكن التشابه في المطالب الأولى يستحق التوقف عنده.
بالأمس كان المواطن يقول:
نريد الحرية والكرامة.
واليوم يقول:
نريد أن نعيش بكرامة.
وإذا لم يجد المواطن إجابة عن هذه المطالب، فقد تنتقل الشعارات من الخبز والوقود والأسعار إلى أسئلة أكبر حول السلطة والحكم ومستقبل الدولة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه ليس فقط: من يحكم سوريا؟
بل:
كيف يحكمها؟ ولمن؟ وهل ستكون الدولة الجديدة مختلفة فعلاً عن الدولة التي خرج السوريون ضدها عام 2011؟
لأن سقوط نظام سابق لا يعني تلقائياً بناء نظام جديد مختلف.
والاختبار الحقيقي لأي سلطة لا يبدأ يوم تستلم الحكم، بل يوم يبدأ المواطن برفع صوته مطالباً بحقه.
فهل تستمع السلطة إلى هذه الأصوات قبل أن تتحول المطالب من «الشعب يريد حياة كريمة» إلى السؤال الأخطر:
«الشعب يريد إسقاط النظام »





