بقلم: محمد علي

في ظلمة فجرٍ ثقيل، خسر الكرد واحدة من نسائهم الجبليات الصابرات. رحلت السيدة شاها محمد سعيد عبو، المولودة عام 1947، بعد سنوات طويلة من الألم والصمت الذي كان يعصر قلبها كل يوم. لم يكن المرض وحده من أنهك جسدها، بل كانت معاناتها الأشد هي غياب ابنٍ اختفى منذ أكثر من أحد عشر عامًا… أمٌّ تنتظر، تبكي بصوتٍ مكتوم، وتضعف يومًا بعد يوم دون أن تسمح ليأسها أن يُرى على ملامحها.
شاها عبو لم تكن مجرد أمٍّ مفجوعة، بل كانت رمزًا للدفء والشجاعة. بيتُها كان ملجأً للسياسيين والناشطين في زمنٍ كان الخوف سيّد البلاد، في زمنٍ كان مجرد التفكير جريمة. فتحت أبوابها لهم بصدرٍ رحب، ودفنت خوفها كي تمنح غيرها الأمان.
لكن القلوب الكبيرة تتعب بصمت.
وتلك الروح التي وقفت دائمًا قوية أمام المحن، انحنت أخيرًا أمام جرح الأمومة الذي لم يلتئم. اختارت الحياة أن تُطفئ شمعتها بعيدًا عن مسقط رأسها، فكان الرحيل في إقليم كردستان العراق عند الساعة الثانية فجر يوم الإثنين… وهناك، في تراب ناحية قوشتبة، احتضنت الأرض جسدها، لعلها تمنحها الراحة التي حرمت منها طويلًا.
رحلت شاها… لكنها تركت خلفها قصة امرأة لم تخف يومًا من الظلم، ولم تستسلم لجرحها، وظلّت تقاوم حتى آخر نبضة.
رحلت… ولا يزال مقعد ابنها الفارغ يصرخ، ولا يزال حزنها حيًّا في قلوب من عرفها.
السلام لروحها، ولتبقَ ذكراها شاهدًا على صبر الأمهات حين يختفي الأبناء… وعلى نساءٍ يصنعن تاريخًا من الظل والوجع.







