بقلم الدكتور : مسعود حامد
الشيخ مقصود والأشرفية: سقوط الإعلام في مستنقع الكراهية
في الآونة الأخيرة، سقط جزء واسع من الإعلام العربي في امتحان المهنية والأخلاق، حين اختار أن يكون شريكًا في التحريض بدل أن يكون شاهدًا على الحقيقة. ما جرى ويجري في الشيخ مقصود والأشرفية ليس حدثًا عابرًا، بل نموذج فاضح لكيفية قلب الوقائع، وتبييض الجرائم، ووضع الجلاد والضحية في الميزان نفسه، وكأن الظلم مجرد “وجهة نظر”.
هذا الإعلام، الذي يستمد لغته من قاموس القومجية البالية والفكر العروبي الإقصائي، لم يعد يكتفي بالتضليل، بل انتقل إلى مرحلة أخطر: صناعة خطاب كراهية منظم، يبرّر العنف ويغذّي الفتنة، ويصوّر المكونات السورية الأصيلة كأنها عبء أو خطر، لا شركاء في الوطن.
الأخطر من ذلك، هو التغطية المتعمدة لأفعال جيش مرتزقة الجولاني، عبر تغييب السياق الحقيقي للصراع، وإخفاء الجرائم المرتكبة بحق الكرد والدروز والعلويين، وتقديم هذه الممارسات وكأنها “معارك ضرورية” أو “صدامات متبادلة”. الحقيقة أبسط وأقسى: هناك قوى مسلحة تقوم على الإقصاء والهيمنة، وتستخدم العنف كأداة، فيما يتكفل الإعلام الموجّه بتلميع صورتها وإسكات أصوات الضحايا.
ما يحدث ليس خطأً مهنيًا ولا زلة لسان، بل خيار سياسي وأخلاقي واضح. خيار الانحياز للقوة على حساب الإنسان، وللأيديولوجيا على حساب العيش المشترك. وحين يتحول الإعلام إلى منصة لتبرير القتل والتكفير والتخوين، فهو لا يهدد مكونًا بعينه، بل يضرب ما تبقى من فكرة سوريا الجامعة.
سوريا لا تُبنى بخطاب الحقد، ولا تُوحَّد عبر إنكار آلام أبنائها. وأي إعلام يصرّ على تغذية الكراهية، وحماية المرتزقة، وتجاهل معاناة المدنيين، سيكون شريكًا مباشرًا في الخراب، مهما تلطّى بشعارات العروبة أو المقاومة أو “المصلحة العليا”.
التاريخ لا ينسى، والذاكرة السورية أطول من كل حملات التضليل. الحقيقة قد تُحاصَر، لكنها لا تُدفن.







