بقلم: الدكتور مسعود حامد

في الذكرى الـ128 لعيد الصحافة الكردية، تقف هذه التجربة الطويلة عند مفترقٍ حاسم، لا بوصفها مجرد مناسبة للاحتفاء، بل لحظة تأمل عميق في مسارٍ لم يكن يومًا سهلًا، ولم يخلُ من التحديات والتناقضات.
لقد تغيّر العالم جذريًا خلال العقود الأخيرة. لم تعد الصحافة مجرد حبرٍ على ورق، بل أصبحت فضاءً رقميًا مفتوحًا، تتحكم به السرعة، وتشكّله التكنولوجيا، وتعيد صياغته أدوات الذكاء الاصطناعي. في هذا التحول الهائل، تحوّل الإعلام إلى قوة ناعمة عابرة للحدود، قادرة على صناعة الرأي العام وتوجيهه، بل وحتى إعادة تعريف القضايا والهويات.
ضمن هذا المشهد المتسارع، وجدت الصحافة الكردية نفسها أمام معادلة معقدة: إرث نضالي غني من جهة، ومتطلبات مهنية وتقنية متجددة من جهة أخرى. وبين هذين البعدين، تشكّلت تجربة إعلامية تحمل الكثير من الطموح، لكنها لا تزال تبحث عن فضائها الأوسع.
لا يمكن إنكار أن الصحافة الكردية قطعت شوطًا مهمًا، خاصة خلال العقود الخمسة الأخيرة، حيث رافقت تطور الفكر الكردي وأسهمت في نقل صوته إلى العالم. كما لعبت دورًا بارزًا في توثيق التحولات، وحفظ الذاكرة، والتعبير عن تطلعات المجتمع. إلا أن هذا المسار لم يكن خطًا مستقيمًا، بل تداخلت فيه عوامل عديدة أثّرت على إيقاعه واتجاهه.
في المقابل، برز جيل شاب يمتلك أدوات العصر، يتقن لغة التكنولوجيا، ويتعامل مع الإعلام بوصفه مساحة إبداع وابتكار. هذا الجيل لم يعد ينتظر المنصات التقليدية، بل صنع منصاته بنفسه، وفتح نوافذ جديدة للتواصل مع العالم، مقدمًا سردية أكثر حداثة وانفتاحًا.
ورغم ذلك، لا تزال هناك مسافة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة. فالإعلام اليوم لم يعد مجرد نقل للخبر، بل صناعة متكاملة تتطلب بيئة حرة، ورؤية مهنية، واستقلالية في الطرح، إضافة إلى قدرة مستمرة على التجدد ومواكبة التحولات.
إن الحديث عن الصحافة الكردية اليوم هو حديث عن مشروعٍ في طور التشكل، يحمل في داخله عناصر القوة والتطور، كما يواجه تحديات تفرض عليه إعادة التفكير في أدواته وأدواره. وبين الماضي الذي شكّل الأساس، والحاضر الذي يفرض إيقاعه السريع، يبقى المستقبل مرهونًا بقدرة هذا الإعلام على إعادة تعريف نفسه، والانفتاح على آفاق أوسع.
في هذه الذكرى، لا يبدو السؤال: ماذا حققت الصحافة الكردية؟ بقدر ما يبدو أكثر عمقًا: إلى أين يمكن أن تصل؟






