المصدر: الكاتبة والصحفية زلال صادق
الترجمة: باقي حمزة

لا تنتهي أي حرب في الشرق الأوسط؛ إنها تغيّر شكلها فقط.
يبدو أن ما يحدث في الساحة السورية اليوم هو نتيجة لإعادة توزيع القوى، لا لتحقيق السلام.
من جهة، هناك هيئة تحرير الشام (HTS) وزعيمها أبو محمد الجولاني، اللذان تطوّرا من حركة جهادية إلى ما يُعرف اليوم بـ”المعارضة المعتدلة”.
ومن جهة أخرى، هناك قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي بنت وجودها استنادًا إلى قوة الشعب.
مع إضفاء الشرعية على هيئة تحرير الشام، أصبح نضال قوات سوريا الديمقراطية من أجل البقاء يجسّد اجتماع عالمين مختلفين:
أحدهما نتاج التدخلات الخارجية، والآخر نظام مقاومة وُلد من الداخل.
تحاول السياسات الأمريكية والإسرائيلية الراهنة، القائمة على فكرة “التطبيع”، إدخال هذين الخطين في إطار لعبة واحدة.
وبذلك، أصبحت سوريا اليوم مختبرًا سياسيًا تتصادم فيه هاتان الرؤيتان.
لا يمكن تفسير وجود الجولاني في الميدان فقط من خلال الديناميات الداخلية لسوريا.
لقد خلقت سياسة “الميليشيات الموجّهة” التي تنتهجها القوى الغربية منذ زمن طويل أنماطًا جديدة من الجهات الفاعلة في المنطقة:
قوات بالوكالة ذات خلفيات راديكالية، لكنها تحظى بشرعية دبلوماسية.
لم تُبدِ الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا الصرامة ذاتها التي أظهرتها ضد داعش في مواجهة هيئة تحرير الشام.
وكانت إسرائيل شريكًا استراتيجيًا في هذا الصمت.
وقد أصبح معبر باب الهوى الحدودي (جلوة غوزو) الخاضع لسيطرة هيئة تحرير الشام المركزَ الاقتصادي واللوجستي لهذه الاستراتيجية.
كان “اتفاق خفض التصعيد” الذي أبرمته تركيا مع روسيا بمثابة درعٍ يحمي وجود هيئة تحرير الشام فعليًا.
فلم يقتصر دور الجيش التركي على وقف تقدّم الجيش السوري، بل أسّس حاجزًا يحمي الجهاديين على الأرض.
اليوم، لم تعد هيئة تحرير الشام مجرد هيكلٍ مسلح، بل أصبحت جهة فاعلة محلية دخلت القاموس الدبلوماسي لكل من روسيا والولايات المتحدة وحتى بعض الدول العربية.
استضافة بوتين للجولاني في الكرملين في أكتوبر 2025، تلاها التطبيع الهادئ من جانب واشنطن لهذه العملية، ودعوة الجولاني إلى البيت الأبيض في 10 نوفمبر، كلها تمثّل التطبيق الميداني لاستراتيجية “الشرق الأوسط الجديد”.
ويبرز تأثير اتفاق إبراهيم على خلفية هذه الاستراتيجية بشكل كبير.
فهذا الاتفاق، الذي وُقّع برعاية الولايات المتحدة عام 2020، قُدِّم ظاهريًا كـ”تطبيع عربي إسرائيلي”،
لكن هدفه الحقيقي كان تطويق النفوذ الإيراني الإقليمي، وربط الدول العربية بالمنظومة الأمنية الإسرائيلية، وترسيخ الوجود الأمريكي الدائم في المنطقة.
يُنفّذ هذا المشروع الدبلوماسي على أرضٍ تُدار عسكريًا.
فالدول الموقّعة على اتفاق إبراهيم – الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان – أصبحت اليوم عناصر نشطة في البنية الأمنية لواشنطن وتل أبيب.
إعادة تأهيل التنظيمات الجهادية تخدم سياسة “التهديد المضبوط” التي تنتهجها هذه البنية:
من جهة، تُبقى الميليشيات تحت السيطرة الميدانية، ومن جهة أخرى، تُسوّق الطاولة الدبلوماسية تحت اسم “الاستقرار”.
إضفاء الشرعية على هيئة تحرير الشام هو الامتداد العسكري لهذه المعادلة،
إذ أصبح تحويل القوى الوكيلة في سوريا جزءًا مكمّلًا للدائرة الأمنية لاتفاق إبراهيم.
لكن هناك فاعلٌ لا ينسجم مع هذه الخطة: قوات سوريا الديمقراطية.
فـ”قسد” ليست نتاج نظام فرضته القوى الخارجية، بل نتاج هيكل بناه الناس بإرادتهم في أقسى ظروف الحرب.
يحمل هذا النموذج، الذي وُلد في روج آفا، بعدًا سياسيًا إلى جانب بعده العسكري،
من خلال المجالس المحلية، وتمثيل المرأة، والإدارة الذاتية، والطابع العلماني للمجتمع.
لذلك، فإن قوات سوريا الديمقراطية ليست وكيلاً ولا مشروعًا أمريكيًا.
الدعم الذي تقدّمه واشنطن أو تل أبيب هو دعم استراتيجي مؤقت، يراد منه تحقيق التوازن لا الشراكة.
فبالنسبة للولايات المتحدة، تمثل “قسد” شريكًا أمنيًا في مرحلة ما بعد داعش،
أما بالنسبة لإسرائيل، فهي حاجز يحدّ من النفوذ الإيراني.
لكن شرعية “قسد” لا تستمدها من هذا الدعم الخارجي، بل من الدفاع الذاتي.
ويبدو واضحًا من تحركاتها أنها تدرك طبيعة هذه الحسابات جيدًا.
لذلك، فإن المفاوضات مع دمشق تمثل مرحلة تاريخية، إذ تحاول “قسد” تحويل التوازن العسكري إلى توازن سياسي.
ولم تعد فكرة الاندماج في الجيش السوري مجرد تكتيك، بل خيار استراتيجي سيحدد موقع الأكراد في مستقبل البلاد.
وتتابع واشنطن وموسكو هذه العملية عن كثب.
أما موقف تركيا، فهو الأكثر تعقيدًا في هذه المعادلة.
فهي من جهة تتوقع انطلاقة جديدة لعملية الحل الداخلي، ومن جهة أخرى تواجه واقع إدارة ذاتية مؤسسية على حدودها مباشرة.
وفي حين يثير قرار حزب العمال الكردستاني بإلقاء السلاح والانسحاب من الحدود آمالًا داخلية،
فإنه يخلق في الوقت نفسه تناقضًا خطيرًا في سياسة أنقرة تجاه سوريا.
فـ”قسد” لم تعد مجرد كيان عسكري، بل جهة سياسية وإدارية،
ولهذا لم تعد مشكلة أنقرة هي مجرد وجود “قسد”، بل الطابع المؤسسي لهذا الوجود.
ومن هنا، فإن اللغة الأمنية التي تعتمدها تركيا لا تعبّر بدقة عن الواقع الجديد في الميدان.
وإذا لم تُعد أنقرة قراءة المشهد، فقد تجد نفسها خارج النظام الجديد في شمال سوريا – وهو ما لا تنوي القبول به.
فالحرب لم تعد في الميدان، بل في لغة التفاوض.
اليوم، تعمل عمليتان متوازيتان في الشرق الأوسط:
من جهة، محور اتفاق إبراهيم بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل،
ومن جهة أخرى، محور قوات سوريا الديمقراطية، الذي يبني شرعيته من الواقع الشعبي في الميدان.
الجولاني وهيئته يمثلان مرحلة مؤقتة، فحين يتغير اهتمام الغرب ستختفي الأسماء والهياكل كما حدث مرارًا في الشرق الأوسط.
أما قوات سوريا الديمقراطية، فهي فاعل سياسي متجذر في الأرض،
تمتلك نظامًا إداريًا داخليًا، وتفاوض دمشق، وتحظى بدعم شعبي.
بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، تُعد “قسد” عنصر توازن يجب ضبطه في المشهد الإقليمي.
وهذا التوازن قائم على إدارة توزيع الطاقة لا على تحقيق الاستقرار الإقليمي.
أما “قسد”، فتمتلك خطًا سياسيًا يرتكز على إرادة الشعوب، والإدارة الذاتية، والمساواة الديمقراطية.
لكن عندما يتجاوز هذا الخط حدود السيطرة الأمريكية أو الإسرائيلية، تبدأ ردود الفعل الكابحة.
إن محاولة الغرب تحويل الميليشيات الجهادية إلى “قوى معتدلة” بدل القضاء عليها تمثل جزءًا من سياسة السيطرة هذه.
فالقوى الغربية، وخاصة الأوروبية، تحافظ على وجودها في الشرق الأوسط من خلال إعادة تعريف هذه الهياكل لا عبر تدميرها.
وهكذا يتحول “التهديد” في الميدان إلى أداة توازن تُستخدم عند الحاجة.
في المقابل، تدافع قوات سوريا الديمقراطية عن إمكانية نموذج شعبي مختلف خارج هذه المعادلة،
لكن الغرب لا يملك سياسة تمهّد الطريق لهذا النموذج.
فالديمقراطية والحرية وحق الشعوب في تقرير المصير ليست مبادئ ثابتة في سياسات تلك القوى، بل شعارات تُستخدم عند الحاجة.
الهدف الأساس هو الحفاظ على موارد الطاقة والممرات التجارية وخطوط الأمن في مناطق السيطرة الخاصة بهم.
أما شعوب الشرق الأوسط، فتبقى خارج معادلات الحقوق والديمقراطية والحرية.
اليوم، تتشكل في سوريا خاصة، وفي الشرق الأوسط عامة، معادلة يُشرعن فيها وجود الميليشيات الجهادية،
في حين تُقيَّد الإرادة السياسية للشعوب.
وتبقى قوات سوريا الديمقراطية واحدة من الفاعلين القلائل الذين يحاولون حماية وجودهم والدفاع عن مبادئهم.
لقد تغيّرت لغة الحروب في الشرق الأوسط،
لكن هذا التغيير لم ينعكس بعد لصالح العدالة أو الحرية.
جميع القوى الفاعلة في المنطقة تضع حساباتها الخاصة،
لكن وجود قوات سوريا الديمقراطية في الميدان يستند إلى واقع اجتماعي يتجاوز تلك الحسابات.
وربما سيُرسم التوازن الحقيقي يومًا ما على أرضٍ يمكن للشعوب – لا للقوى – أن تُعبّر فيها عن إرادتها.
نأمل ذلك.







