بقلم الدكتور : مسعود حامد
لا ينظر كثير من الكرد إلى عودة توم براك إلى واجهة المشهد السياسي في الشرق الأوسط باعتبارها مجرد تغيير في الأسماء أو المواقع، بل يرون فيها مؤشراً على مرحلة جديدة قد تحمل المزيد من الضغوط على المشاريع السياسية الكردية في سوريا والعراق.
فالرجل الذي ارتبط اسمه بعلاقات واسعة مع عواصم إقليمية مؤثرة، يعود في وقت تعيش فيه المنطقة تحولات عميقة، وتتصاعد فيه محاولات إعادة هندسة التوازنات السياسية بما يتوافق مع مصالح القوى الإقليمية أكثر من توافقه مع تطلعات الشعوب ومطالبها المشروعة.
في شمال وشرق سوريا، حيث تمكنت الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية من بناء تجربة سياسية وإدارية رغم الحرب والإرهاب والحصار، تتزايد المخاوف من وجود توجهات دولية تسعى إلى تقليص المكاسب السياسية التي تحققت خلال السنوات الماضية. فبدلاً من دعم الاستقرار وضمان حقوق المكونات المحلية، تبدو بعض التحركات وكأنها تسير باتجاه إعادة إنتاج سياسات قديمة تقوم على المساومات والصفقات الإقليمية.
القضية الأخطر لا تكمن فقط في مستقبل روجآفا، بل في محاولات التأثير على القرار الكردي عموماً. فمنذ سنوات، تعمل قوى عديدة على إبقاء البيت الكردي منقسماً ومشتتاً، لأن وحدة الموقف الكردي تعني امتلاك قوة تفاوضية أكبر وحضوراً سياسياً أكثر تأثيراً في معادلات المنطقة.
إن أي سياسة تستهدف إضعاف التوافق الكردي أو دفع الأطراف الكردية إلى مزيد من الصراع السياسي الداخلي لا يمكن فصلها عن مشروع أوسع يهدف إلى تقليص الدور الكردي في رسم مستقبل الشرق الأوسط. فالكرد الذين كانوا شركاء أساسيين في مواجهة الإرهاب ودفعوا آلاف الضحايا دفاعاً عن الأمن والاستقرار، يجدون أنفسهم اليوم أمام محاولات جديدة لتهميش دورهم السياسي والتعامل معهم كملف قابل للمساومة.
المفارقة أن الخطاب الأمريكي يتحدث باستمرار عن الديمقراطية وحقوق الشعوب والأقليات، بينما تكشف الوقائع على الأرض أن هذه المبادئ كثيراً ما تتراجع أمام المصالح الاقتصادية والتحالفات الإقليمية. وهنا يكمن جوهر القلق من الشخصيات التي تدير هذه الملفات؛ فالمشكلة ليست في الأسماء بقدر ما هي في النهج السياسي الذي ينظر إلى المنطقة من زاوية المصالح لا من زاوية الحقوق.
إن الكرد في روجآفا وإقليم كردستان والعراق عموماً يدركون اليوم أن التحدي لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح سياسياً ودبلوماسياً بالدرجة الأولى. فالمعركة الحقيقية تدور حول من يمتلك حق تقرير مستقبل المناطق الكردية: أبناؤها وقواها السياسية، أم القوى الدولية والإقليمية التي تسعى إلى رسم خرائط النفوذ وفق حساباتها الخاصة؟
وفي وقت تتسارع فيه التحولات الإقليمية، تبدو الحاجة ملحة إلى موقف كردي أكثر وحدة واستقلالية. فالتاريخ أثبت أن الانقسامات الداخلية كانت دائماً البوابة التي دخلت منها المشاريع الرامية إلى إضعاف الكرد وتفكيك مكتسباتهم. أما الرهان على الوعود الخارجية وحدها، فقد أثبت مراراً أنه رهان محفوف بالمخاطر.
لقد تغيرت الوجوه وتبدلت المناصب، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تعود واشنطن بسياسة جديدة تجاه الكرد، أم أن المنطقة مقبلة على نسخة أخرى من سياسة المصالح التي لطالما وضعت حقوق الشعوب في آخر سلم الأولويات.




