نحو جبهة إنقاذ كوردستانية: من الصرخة إلى الدولة
بقلم: الدكتور اكرم نعسان
لم تعد الأزمة التي يعيشها الكورد في سوريا – وفي كوردستان عمومًا – أزمة إدارةٍ سيئة فحسب، بل تحوّلت إلى أزمة شرعية سياسية وأخلاقية. فما جرى في عفرين، ثم سري كانية وكري سبي، ثم الشهباء، ثم الشيخ مقصود والأشرفية، ليس حوادث معزولة ولا هزائم عسكرية عابرة، بل نتيجة مباشرة لبنية حكم مغلقة، وقرار محتكر، وغياب كامل للمساءلة.
أولًا: فشل الإدارة لا يعني فشل المجتمع
لا يمكن لأي خطاب مسؤول أن يحمّل المجتمع الكوردي تبعات قرارات لم يُستشر فيها. لقد دُفع الناس إلى المعارك، ثم تُركوا بلا حماية سياسية أو قانونية. الإدارة القائمة أخفقت في:
حماية الأرض والسكان
بناء قضاء مستقل
خلق شعور بالعدالة والمساواة
إدارة الموارد الاقتصادية بشفافية
تمثيل الكورد دبلوماسيًا تمثيلًا يليق بتضحياتهم
إن تحويل النقد إلى تخوين، وإسكات الأصوات المخالفة، لا يصنع دولة ولا يحمي شعبًا.
ثانيًا: احتكار القرار هو أصل الكارثة
لا يمكن لشعبٍ أن يصل إلى برّ الأمان وهو محكوم:
بزعيم من السجن
أو برموز لا تخضع للمحاسبة
أو بحزب واحد يتصرّف كقطيع مغلق على نفسه
في كل الأمم، عند الكوارث، تُشكَّل حكومات إنقاذ وطني، تُدار فيها المرحلة بعقل جماعي ومؤسساتي، لا بشعارات ولا بتقديس الأشخاص.
ثالثًا: الحاجة إلى جبهة إنقاذ كوردستانية
ما نحتاجه اليوم ليس انقلابًا حزبيًا، ولا تصفية حسابات، بل جبهة إنقاذ كوردستانية مؤقتة، مهمتها:
إدارة حالة طوارئ وطنية
إعادة القرار إلى المجتمع
فتح ملفات الهزائم بشفافية
ترميم الثقة بين المواطن والمؤسسة
ملامح هذه الجبهة:
مجلس محدود العدد (12–15 شخصًا)
شخصيات مستقلة ذات كفاءة
تمثيل جغرافي وسياسي متوازن
صلاحيات واضحة ومؤقتة
رابعًا: العدالة قبل الشعارات
أكبر فشل ارتكبته الإدارة الحالية هو قتل الإحساس بالعدالة.
قضايا مثل:
أراضي الكورد المصادرة
بيوت السكان الأصليين
ملفات الحزام العربي، والغمر، والإحصاء
لا تُحلّ بالتحريض أو الطرد الجماعي، بل عبر:
قضاء مستقل
إعادة الحقوق لأصحابها
تعويض عادل
تسويات قانونية فردية
العدالة وحدها تحمي الكورد داخليًا وخارجيًا.
خامسًا: الاقتصاد والموارد ليست أدوات انتقام
النفط، القمح، الغاز، واللحوم ليست أوراقًا عاطفية للردّ، بل أدوات سيادية.
إدارتها يجب أن تكون:
شفافة
مشروطة بضمانات سياسية
خاضعة للرقابة
أي قرار انفعالي بقطع الموارد دون بديل سياسي أو قانوني، سيُستخدم لتجريم الكورد دوليًا.
سادسًا: المحاسبة لا تعني الشخصنة
الحديث عن فشل قيادات معينة ليس شتيمة، بل تقييم سياسي مشروع.
المرحلة تتطلب:
تنحّي كل من فشل عن القرار التنفيذي
الانتقال إلى قيادة جماعية
إخضاع الجميع للمساءلة
بهذا فقط نُنهي ثقافة الزعيم المعصوم.
سابعًا: دور النخب الكوردستانية
لدينا عشرات الأكاديميين، والخبراء، والبروفيسورات من نيويورك إلى طوكيو. الصمت في هذه اللحظة تواطؤ غير مباشر.
المطلوب:
مؤتمر تأسيسي
ميثاق مبادئ واضح
خطاب عقلاني موجه للعالم
خاتمة: من الغضب إلى الدولة
الغضب مفهوم، والجرح عميق، لكن الأمم لا تُبنى بالانفعال. ما ينقذ الكورد اليوم ليس الشعار، بل المؤسسة، وليس التخوين، بل العدالة، وليس الحزب، بل الدولة.
جبهة إنقاذ كوردستانية ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية.
إما أن نُحسن إدارة هذه اللحظة، أو نُترك للتاريخ كأمة أضاعت تضحياتها بيدها.







