كري سبي وامتحان السيادة السورية: من يحمي الكرد من الاعتداءات، ومن يسمح لأجندات الخارج بتهديد السلم الأهلي؟

مؤسسة نودممنذ 43 ثانيةآخر تحديث :
كري سبي وامتحان السيادة السورية: من يحمي الكرد من الاعتداءات، ومن يسمح لأجندات الخارج بتهديد السلم الأهلي؟

بقلم: الدكتور مسعود حامد

لمن يعمل هؤلاء؟ للدولة السورية التي يُفترض أنها مسؤولة عن حماية مواطنيها، أم لأجندات خارجية تسعى إلى إبقاء سوريا ساحةً للصراعات وتصفية الحسابات؟

 

لم تكن الأحداث التي شهدتها مدينة كري سبي (تل أبيض)، وما رافقها من احتجاجات في مدن كردية أخرى تضامناً مع الأهالي العائدين إلى منازلهم، مجرد حادثة عابرة يمكن تجاوزها ببيانات مقتضبة أو تبريرات رسمية. إنها واقعة تضع الدولة السورية الجديدة أمام اختبار حقيقي: اختبار العدالة، وسيادة القانون، وقدرة المؤسسات الأمنية على حماية المواطنين دون تمييز على أساس القومية أو الانتماء السياسي.

 

عاد المهجّرون الكرد إلى مدينتهم وهم يحملون أملاً انتظروه سنوات طويلة؛ أملاً بالعودة إلى بيوتهم واستعادة ممتلكاتهم، بعد حياة قاسية في النزوح والمخيمات. لكن، وفقاً للمعلومات والمشاهد المتداولة عن الأحداث، فوجئ بعض العائدين بمجموعات اعترضت طريقهم واعتدت عليهم وعلى ممتلكاتهم، ووصلت الاعتداءات إلى إحراق آليات وممتلكات مدنية.

 

أيُّ ذنب ارتكبه هؤلاء؟ هل لأنهم طالبوا بحقهم الطبيعي في العودة إلى بيوتهم؟ أم لأنهم كرد، في مدينةٍ لهم فيها من الحقوق ما لسائر المواطنين السوريين؟

 

إن إحراق سيارة مواطن عائد إلى منزله ليس مجرد اعتداء على قطعة من الحديد، بل اعتداء على كرامة إنسان حُرم من الاستقرار سنوات، وربما أنفق ما يملك ليتمكن من العودة إلى حياته الطبيعية. أما ترهيب النساء والشيوخ والأطفال، أو إهانة المدنيين ومنعهم من الوصول إلى مدينتهم، فهو سلوك لا يمكن تبريره تحت أي شعار سياسي أو أمني.

 

 

إذا كانت الدولة قد فتحت أبواب الاندماج، فلماذا يُلاحَق المدنيون بشعارات الماضي؟

 

 

من بين الأسئلة التي تفرضها هذه الأحداث ترديد شعارات تتهم العائدين بالانتماء إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وكأن هذه التهمة، بصرف النظر عن صحتها في أي حالة فردية، تمنح أحداً الحق في الاعتداء عليهم أو إحراق ممتلكاتهم.

 

لقد أُعلن عن اتفاق في 29 كانون الثاني/يناير 2026 بشأن دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة السورية. وبناءً على ذلك، فإن استخدام الانتماء السابق إلى قسد ذريعةً للتحريض على المدنيين أو معاقبتهم جماعياً يثير تناقضاً سياسياً وقانونياً واضحاً: كيف يمكن الحديث عن الاندماج وبناء مؤسسات وطنية، بينما يُترك بعض المواطنين عرضةً للتهديد بسبب اتهامات تتعلق بماضيهم أو هويتهم السياسية المفترضة؟

 

ثم إن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل كانت النساء والأطفال والشيوخ الذين تعرّضوا للترهيب مقاتلين؟ وهل يجوز أن يتحوّل أي خلاف سياسي إلى مبرر للعقاب الجماعي، وأن تصبح الهوية الكردية قرينة اتهام؟

 

إن الدولة التي تسعى إلى توحيد البلاد لا تستطيع أن تسمح بوجود منطقين متناقضين: منطق يتحدث عن المواطنة والاندماج، وآخر يشرّع عملياً التهديد والإهانة والاعتداء على المدنيين. فالمواطنة ليست امتيازاً تمنحه جهة مسلحة، وليست حقاً يُسحب من مواطن لأن مجموعةً ما قررت التشكيك في ولائه.

 

 

أين كانت الأجهزة الأمنية؟ ومن يتحمّل مسؤولية ما جرى؟

 

 

 

إذا كانت المشاهد المتداولة توثّق وقوع الاعتداءات أمام عناصر أمنية أو في محيط وجودها، فإن ذلك يفرض تحقيقاً جدياً ومستقلاً للإجابة عن أسئلة لا يجوز تجاهلها: لماذا لم تُحمَ الممتلكات المدنية؟ هل تدخلت الجهات الأمنية لمنع الاعتداءات؟ وهل اتُّخذت الإجراءات اللازمة لحماية العائدين ومحاسبة المتورطين؟

 

إن المسؤولية الأمنية لا تقتصر على الانتشار في الشوارع أو الوقوف في مواقع الأحداث؛ بل تتمثل في حماية الناس، ومنع الاعتداءات، والتدخل عند الضرورة، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

 

ولا يجوز إعفاء المسؤولين المحليين والأمنيين من المساءلة إذا ثبت أنهم قصّروا في أداء واجباتهم، أو امتنعوا عن التدخل رغم قدرتهم عليه، أو سمحوا باستمرار الاعتداءات. فالمسؤولية هنا لا تتوقف عند الشخص الذي أشعل النار أو حطّم سيارة، بل تشمل كل من تثبت مسؤوليته عن التحريض أو التسهيل أو التقصير المتعمد.

 

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة الجديدة هو أن يشعر المواطن بأن القانون لا يحميه، وأن المعتدي يستطيع الإفلات من العقاب إذا امتلك الغطاء السياسي أو المسلح المناسب. عندها لا تكون المشكلة مجرد حادثة أمنية، بل أزمة ثقة عميقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

 

 

ذاكرة الكرد ليست صفحةً يمكن محوها.

 

 

تستحضر هذه الأحداث لدى كثير من الكرد ذكريات مؤلمة عن الاعتداءات التي تعرّضوا لها، وعن مخاوف قديمة من استهدافهم بسبب هويتهم القومية. وتعيد إلى الأذهان ما شهدته مناطق كردية خلال محطات سابقة من توترات وأعمال عنف ونهب واعتداءات، ولا سيما أحداث القامشلي عام 2004 وما خلّفته من جراح عميقة في الذاكرة الجماعية.

 

ولا يمكن بناء سوريا جديدة عبر مطالبة الناس بنسيان مخاوفهم، بينما يرون مشاهد الاعتداء على أبناء مجتمعهم وممتلكاتهم. المصالحة الحقيقية لا تُفرض بالشعارات، بل تُبنى من خلال ضمانات ملموسة، ومحاسبة عادلة، واعتراف بحقوق المواطنين، ومنع تكرار الانتهاكات.

 

إن الكرد لا يطالبون بامتيازات على حساب أحد، بل بحقوقهم كمواطنين سوريين، وفي مقدمتها الأمن والكرامة والعودة الآمنة إلى منازلهم وحماية ممتلكاتهم. وأي محاولة لتصوير هذه المطالب على أنها تهديد لوحدة البلاد ليست سوى خلطٍ بين الحقوق المشروعة والصراعات السياسية.

 

 

من يملك القرار؟ خطر الأجندات الخارجية داخل سوريا.

 

 

تفتح أحداث كري سبي الباب أمام سؤال سياسي أوسع: هل تتصرف جميع المجموعات المسلحة والمحلية وفق قرارات مؤسسات الدولة السورية، أم أن بعضها يتحرك وفق ولاءات وشبكات نفوذ تتجاوز الحدود الوطنية؟

 

إن أي نفوذ خارجي يمارس تأثيراً على القرار الأمني أو السياسي السوري، أو يسعى إلى توظيف مجموعات محلية لخدمة مصالحه، يشكّل خطراً على استقلال القرار الوطني وعلى فرص الاستقرار. وفي هذا السياق، تبرز مخاوف لدى قطاعات كردية من دور تركي يتجاوز الحدود السياسية إلى التأثير في موازين القوى والقرارات داخل سوريا.

 

لكن هذه المخاوف يجب أن تُناقش من خلال الوقائع والأدلة، لا عبر الاكتفاء بالشعارات. والسؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه السلطات السورية هو: هل توجد جهات أو مجموعات تتلقى توجيهات من خارج مؤسسات الدولة؟ وإذا وُجدت أدلة على ذلك، فما الإجراءات التي ستُتخذ لمنع التدخل الخارجي وحماية القرار الوطني؟

 

إن السيادة ليست مجرد علم يُرفع فوق المباني الحكومية، بل قدرة فعلية على فرض القانون، ومنع الاعتداءات، وضمان ألا تتحول الأراضي السورية إلى ساحة لتنفيذ أجندات الآخرين. ولا يمكن تحقيق هذه السيادة إذا شعر المواطنون بأن بعض المجموعات تستطيع تحدي مؤسسات الدولة أو تجاوز القانون دون محاسبة.

 

كما أن استخدام المدنيين وقوداً في صراعات النفوذ، أو تأجيج التوترات القومية بين السوريين، لا يخدم وحدة البلاد، بل يهدد بتوسيع الشروخ الاجتماعية وتعميق انعدام الثقة في مستقبلها.

 

 

لا عدالة بلا محاسبة، ولا وحدة بلا حماية متساوية.

 

 

 

إن ما جرى في كري سبي، وفق ما يجري تداوله عن الاعتداءات على العائدين وممتلكاتهم، يستوجب موقفاً رسمياً واضحاً يتجاوز الإدانة اللفظية. المطلوب هو تحقيق مستقل وشفاف، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل من تثبت مشاركته في الاعتداءات أو التحريض عليها، وتعويض المتضررين وفق القانون، وضمان عودة المهجّرين إلى منازلهم بأمان.

 

وعلى السلطات السورية أن توضح للرأي العام ما اتُّخذ من إجراءات، وما إذا كانت هناك مساءلة للعناصر أو المسؤولين الذين ثبت تقصيرهم. فالصمت، أو الاكتفاء بتبادل الاتهامات، لن يعيد الممتلكات المحروقة، ولن يبدد خوف العائلات التي وجدت نفسها أمام تهديد جديد بعد سنوات من النزوح.

 

كما ينبغي أن تكون حماية العائدين التزاماً عملياً، عبر تأمين الطرق والمنازل، ومنع حملات الترهيب، وضمان حرية الحركة، والتعامل مع أي انتهاك وفق معايير قانونية واحدة، بعيداً عن القومية أو الانتماء السياسي.

 

إن وحدة سوريا لا تُبنى بإخضاع مكوّناتها للخوف، ولا بتجاهل مظالمها، ولا بالسماح لمجموعات خارجة عن القانون بفرض إرادتها على المواطنين. الوحدة الحقيقية تُبنى حين يشعر الكردي والعربي والسرياني والآشوري وسائر السوريين بأن الدولة تحميهم جميعاً، وأن حقوقهم لا تتوقف على هوية المعتدي أو نفوذ الجهة التي تقف خلفه.

 

 

كري سبي ليست تفصيلاً عابراً.

 

 

إن قضية كري سبي أكبر من إحراق سيارات أو الاعتداء على مجموعة من العائدين؛ إنها قضية حق العودة، وكرامة المواطن، ومصداقية مؤسسات الدولة، واستقلال القرار السوري.

 

وعلى السلطات السورية أن تختار بوضوح بين مسارين: دولة تفرض القانون على الجميع وتحمي مواطنيها دون تمييز، أو واقع تُترك فيه المجموعات المسلحة وأصحاب النفوذ لفرض قواعدهم الخاصة، بما يهدد السلم الأهلي ويقوّض الثقة بمؤسسات الحكم.

 

أما الكرد الذين عادوا إلى مدينتهم، فلا ينبغي أن يُطلب منهم دفع ثمن صراعات الآخرين، ولا أن يتحولوا إلى رهائن في معركة النفوذ بين القوى المحلية والإقليمية. من حقهم أن يعودوا إلى بيوتهم، وأن يعيشوا بأمان، وأن تُحمى ممتلكاتهم، وأن ينالوا العدالة إذا تعرّضوا للظلم.

 

فمن يريد سوريا موحّدة حقاً، عليه أن يبدأ بحماية مواطنيها. ومن يريد دولة القانون، عليه أن يحاسب من ينتهك القانون، لا أن يترك الضحية وحيدةً أمام المعتدي.

 

وستبقى الأسئلة مطروحة أمام الرأي العام السوري: من اعتدى على العائدين؟ من حرّض عليهم؟ لماذا لم تُمنع الاعتداءات؟ وهل ستُحاسَب جميع الجهات المسؤولة، مهما كانت مواقعها وارتباطاتها؟

 

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مطلباً كردياً فحسب، بل اختبارٌ لمستقبل العدالة في سوريا كلها.

الاخبار العاجلة