حرب النفوذ الصامتة

حرب النفوذ الصامتة: الخليج في مواجهة مفتوحة تتسع جغرافيًا

بقلم الكاتبة هدية لفنت

يبدو أن الصراع على النفوذ، يُتوقع أن يؤثر سريعًا على منطقة جغرافية شاسعة تمتد من ليبيا إلى اليمن، ومن غزة إلى باكستان، سيُشكل شبكة معقدة للغاية من المصالح والعلاقات. في جوهره، تقع دولتان في قلب هذا الصراع الجديد على النفوذ: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. إلا أن التطورات في المنطقة وسّعت نطاق الخلافات بين هاتين الدولتين لتشمل دولًا أخرى عديدة، من بينها تركيا، وأضافت الآن الأزمة الباكستانية الهندية إلى هذا المشهد.

دعونا نلقي نظرة أخرى لنرى لماذا وكيف بدأت هذه العملية، والأسباب التي دفعت تركيا للانخراط فيها، والتداعيات الملموسة والدموية للمواجهة المتصاعدة بسرعة.

السعودية والإمارات: أشقاء أعداء!

لطالما كانت هناك تضاربات في المصالح بين السعودية والإمارات، لكن نقطة التحول التي حوّلت هذا التضارب إلى صراع على النفوذ كانت ثورات الربيع العربي. فقد أدت هذه الانتفاضات إلى تغيير في مراكز القوى في المنطقة. قبل الانتفاضات، كانت مصر مركز صنع القرار السياسي، بينما كانت السعودية مؤثرة في القرارات الاقتصادية، في حين نادراً ما انتهزت الإمارات فرصها للبروز. إلا أنه خلال الانتفاضات، فقدت مصر مكانتها كمركز سياسي، ودخل اقتصادها في فترة اضطراب شديد. في الوقت نفسه، بدأت السعودية والإمارات، اللتان حققتا تقدماً ملحوظاً مقارنةً بفترة ما قبل الانتفاضات، في تشكيل ليس فقط المسار الاقتصادي، بل أيضاً المسار السياسي الإقليمي. في الواقع، مع تآكل الأيديولوجيات التي سمحت لكل دولة بلعب دور في المنطقة، سرعان ما أصبحت التحولات التي قادتها الإمارات، مثل عملية التطبيع مع إسرائيل وعرضها لما اعتبرته منظوراً عقلانياً للقضية الفلسطينية، فعّالة.

منذ السنوات الأولى للانتفاضة، لم تعد مصر دولةً تُتخذ فيها القرارات السياسية، بل أصبحت تعتمد اقتصادياً بشكل سريع على محور السعودية والإمارات، وتتحالف معه. في المقابل، أبدت السعودية والإمارات حماساً كبيراً وعزماً على استغلال هذه الظروف الجديدة لصالحهما. وكان عدوهما المشترك هو النفوذ الإيراني في المنطقة، والهياكل المسلحة والسياسية المدعومة من إيران.

قررت السعودية التدخل في اليمن، بحجة أن إيران تحاول محاصرتها من الجنوب عبر تنظيم المتمردين الحوثيين. وبدعوة الإمارات العربية المتحدة للانضمام إلى التدخل، سعت السعودية إلى تأمين الممر البحري الحيوي لشحنات النفط. وبالنسبة للرياض، التي تقع حقولها النفطية في معظمها بالقرب من الحدود اليمنية، كانت الحماية من الحوثيين أولوية قصوى.

لكنّ الأوضاع تغيّرت، وتغيّرت الأمور كثيراً، ودخلت الإمارات، بدعوة من الرياض، اليمن، وحدّدت جنوب اليمن منطقة عملياتها. وبينما قادت الإمارات اتفاقيات أبراهام، التي أطلقت مسيرة التطبيع بين دول المنطقة وإسرائيل، كانت أيضاً نشطة في اليمن، تعمل جنباً إلى جنب مع إسرائيل. وفي هذا السياق، أنشأت إسرائيل قواعد عسكرية ومراكز رادار ومراكز استخبارات قادرة على القيام بعمليات مراقبة في جنوب اليمن وعلى ثلاث جزر.

أنشأت السعودية حكومة يمنية مقرها الرياض، إلا أن بعض أعضاء هذه الحكومة المؤقتة كانوا موالين للإمارات، ما أدى إلى عرقلة العملية. وعلى أرض الواقع، تم تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات. وهكذا، وُضعت أسس التقسيم الفعلي لليمن، واستُبعدت السعودية من هذه العملية. لكن النقطة الأهم بالنسبة للرياض كانت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، أي الأطراف المدعومة من الإمارات، على مضيق باب المندب.

في غضون ذلك، ومع استمرار الحرب في اليمن، نشرت السعودية والإمارات قوات الدعم السريع السودانية كمرتزقة في اليمن. ولم تقتصر علاقة الإمارات مع قوات الدعم السريع على اليمن فحسب، بل عززتها. ولم يكن من المستغرب أن يرتبط اسم الإمارات بعد بضع سنوات بتهريب الذهب في السودان، وأن تصبح أكبر مزود للدعم اللوجستي العسكري لقوات الدعم السريع. كما لم تتردد السعودية في توسيع نطاق توتراتها المتصاعدة مع الإمارات لتشمل السودان، بدعمها للطرف الآخر في الحرب هناك: الجيش السوداني.

في حين استمرت المعارك الدامية على الأرض بين الجماعات المسلحة المدعومة من كلا الجانبين، تدخلت الصين وتوسطت في المصالحة بين السعودية وإيران. ونتيجة لذلك، لم يعد الحوثيون في اليمن يشكلون تهديداً للسعودية، وانخفض نفوذ إيران في المنطقة إلى مستوى يمكن السيطرة عليه على الأقل.

صداقة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل!

بينما كانت هذه الأحداث تتكشف في دول الخليج، بدأت إسرائيل، بدعم علني من أمريكا والعالم الغربي، بتوسيع نفوذها بشكل مطرد. ولم تقتصر العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة، الدولة الخليجية الهادئة نسبياً، وإسرائيل على اتفاقيات أبراهام فحسب، بل امتدت لتشمل استثمارات في الصناعات الدفاعية، وحتى في شركات إسرائيلية تعمل على تطوير أسلحة تعمل بالذكاء الاصطناعي.

لا تزال إيران تشكل تهديداً للإمارات، وتتسع الفجوة بينها وبين السعودية التي رفضت توقيع اتفاقيات أبراهام مع إسرائيل. وجاء اعتراف إسرائيل بصوماليلاند في سياق مساعي الإمارات للاستحواذ على موانئ في المنطقة تباعاً، مثل ميناء باربيرا في صوماليلاند، قبل هذا التطور.

باختصار، هذا الصدام، الذي بدأ في اليمن وامتد من مصر إلى ليبيا، ومن إريتريا إلى باكستان، تحول في النهاية إلى صراع مفتوح تتبادل فيه الأطراف اتهامات قاسية عبر الصحافة.

أخيرًا، كتب أحمد بن عثمان التويجري، وهو شخصية بارزة في السعودية، مقالًا، يُفترض أنه بعلم الإدارة السعودية، وربما بناءً على طلبها. وصف التويجري في مقاله الإمارات بأنها “حصان طروادة إسرائيل في العالم العربي”، واتهم حكومة الإمارات بخيانة “الله ورسوله والأمة العربية جمعاء”. في غضون ذلك، كثّفت وسائل الإعلام المدعومة من الإمارات نشرها لتصوير السعودية كدولة معادية للسامية تسعى لزعزعة استقرار المنطقة.

دخلت تركيا في صراع على السلطة!

أدت الضربات السعودية على الجماعات المسلحة والسياسية المدعومة من الإمارات في اليمن إلى تصعيد التوترات بشكل ملحوظ. وقد سارع كلا البلدين إلى البحث عن حلفاء. وفي هذا السياق، تقاربت تركيا، التي تخوض صراعاً على النفوذ مع إسرائيل في المنطقة منذ فترة طويلة، مع السعودية.

لا شك أن صراع القوى لا يمكن أن يحدث دون إراقة دماء، وإراقة الدماء لا يمكن أن تحدث دون أسلحة! سعت باكستان، رغبةً منها في دخول سوق الأسلحة الإقليمية، إلى مساعدة السعودية. وبدأت منتجات الصناعات الدفاعية، من طائرات مقاتلة بتكنولوجيا صينية إلى أخرى مصنّعة في باكستان، بالتدفق إلى السودان وليبيا. لم تكتفِ الرياض بدفع ثمن هذه المنتجات، بل قدمت لباكستان حزمة مساعدات بقيمة 6 مليارات دولار، وأودعت مبالغ غير معلنة، يُقال إنها بمليارات الدولارات، في البنك المركزي الباكستاني.

يكمن هذا التباين في صميم التعاون العسكري بين تركيا والسعودية وباكستان. ورغم أن هذه الأطراف توحدت على أساس مبدأ “عدو عدوي صديقي”، فإن هذه التحالفات تتسع باستمرار بانضمام دول جديدة.

على سبيل المثال، بدأت الإمارات العربية المتحدة بسحب استثماراتها من باكستان وتحويل تركيزها نحو الهند. في المقابل، يبدو أن مصر تنأى بنفسها تدريجياً عن الإمارات، التي تتلقى منها مساعدات اقتصادية كبيرة، وتتقرب من السعودية. لذلك، ليس من المستغرب أن تتصاعد التوترات بين تركيا والإمارات في المستقبل القريب، في حين تتسارع وتيرة التقارب بين أنقرة والقاهرة.

ماذا تقول أمريكا عن هذا؟

من الواضح أن إدارة ترامب لا تتدخل في شؤون الآخرين. فبعد أن أقامت علاقات وثيقة مع السعودية والإمارات عبر معاملات مالية، لا يبدو أن ترامب وأبناءه وصهره يميلون إلى الانخراط في هذا التنافس في الوقت الراهن!

  • Related Posts

    بيان للرأي العام

    نحن في روج آفا نودّ أن نوضح أن موقف الحزب الديمقراطي الحر (FDP) بالتصويت ضد قرار إدانة حصار كوباني هو موقف يصعب علينا فهمه، ويثير لدينا خيبة أمل عميقة واشمئزازًا…

    الاتحاد الدولي للصحفيين يندد بإصابة مراسل Nûdem Media برصاص القوات التركية

    في 20 كانون الثاني/يناير، أُصيب الصحفي نوجان ملا حسن، مراسل مؤسسة Nûdem Media, بإطلاق نارًا من قبل قوات حرس الحدود التركية أثناء تغطيته احتجاجات عند الحدود بين سوريا وتركيا، حسب…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    حرب النفوذ الصامتة

    • من @massoud
    • فبراير 12, 2026
    • 28 views
    حرب النفوذ الصامتة

    بيان للرأي العام

    • من @massoud
    • فبراير 11, 2026
    • 115 views
    بيان للرأي العام

    الاتحاد الدولي للصحفيين يندد بإصابة مراسل Nûdem Media برصاص القوات التركية

    • من @massoud
    • فبراير 5, 2026
    • 334 views
    الاتحاد الدولي للصحفيين يندد بإصابة مراسل Nûdem Media برصاص القوات التركية

    التحالف الدولي يدمّر قاعدته السابقة في بلدة الشدادي بعد الانسحاب منها

    • من @massoud
    • فبراير 5, 2026
    • 74 views
    التحالف الدولي يدمّر قاعدته السابقة في بلدة الشدادي بعد الانسحاب منها

    بيان مسد بخصوص اعتقال السيد غسان اليوسف، نائب الرئاسة المشتركة للمجلس

    • من @massoud
    • يناير 28, 2026
    • 337 views
    بيان مسد بخصوص اعتقال السيد غسان اليوسف، نائب الرئاسة المشتركة للمجلس

    حين يتحول حق الحياة إلى جريمة …. روج أفا تموت في صمت

    • من @massoud
    • يناير 28, 2026
    • 309 views
    حين يتحول حق الحياة إلى جريمة …. روج أفا تموت في صمت