ايران و أزمة العقلية الإسلامية.

ايران و أزمة العقلية الإسلامية.

المصدر : Medyascope  . الكاتب رجب قاراگوز

الترجمة : باقي حمزة

تكشف كل أزمة في الشرق الأوسط ليس فقط عن سياسات الدول، بل أيضاً عن الحالة الذهنية للمجتمعات الإسلامية. وتُعدّ النقاشات التي دارت في تركيا عقب الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على إيران مثالاً جديداً على ذلك. غالباً ما يُختزل النقاش إلى سؤال ضيق: “هل ينبغي دعم إيران؟” إلا أن هذا السؤال يُخفي الحقيقة، لأن القضية الحقيقية ليست إيران، بل هي العتبة الفكرية التي بلغها الفكر الإسلامي اليوم .

 

إن الحركات الإسلامية، التي انطلقت في يوم من الأيام بفكرة الأمة الإسلامية، باتت اليوم تفكر ضمن حدود ضيقة من المصالح الطائفية والقومية ومصالح الدولة. والنقاش الدائر حول إيران ليس إلا انعكاساً لهذا التضييق. فالمسألة ليست إيران بحد ذاتها، بل هي التحول الذي طرأ على الفكر الإسلامي خلال الثلاثين عاماً الماضية .

 

أحدثت الثورة الإيرانية عام 1979 شرخًا كبيرًا في العالم الإسلامي. فبالنسبة للمجتمعات الإسلامية التي كانت عالقة بين قطبي الحرب الباردة، مثّلت هذه الثورة صعود حركة ذات مرجعية إسلامية إلى السلطة في العصر الحديث. وقد تابع العديد من المثقفين الإسلاميين في تركيا هذا التطور عن كثب. في تلك السنوات، كان لنصوص علي شريعتي، وأفكار سيد قطب، ومؤلفات أبي الأعلى المودودي تأثير قوي على الأجيال الشابة. بالنسبة لكثير من المسلمين، بدت الثورة الإيرانية بمثابة طريق ثالث لعالمٍ عالق بين الرأسمالية والاشتراكية.

 

لكن مع مرور الوقت، تحوّل هذا الاهتمام إلى بُعد، ثم إلى معارضة صريحة. ولا يمكن تفسير هذا التحوّل بسياسات إيران وحدها، بل كان التحوّل داخل الفكر الإسلامي نفسه حاسماً..

 

اليوم، يُظهر جزء كبير من الأوساط الإسلامية في تركيا، فيما يتعلق بإيران، ردة فعل تتمحور حول الدولة بدلاً من التقييم المبدئي. والسبب الأهم في ذلك هو تزايد تدخل الدولة في الشؤون الإسلامية. فمنذ مطلع الألفية الثانية، أصبحت الحركة الإسلامية في تركيا متشابكة إلى حد كبير مع الحكومة وأجهزتها. وبالتالي، فإن الأوساط التي كانت تتحدث سابقاً من منظور الأمة الإسلامية، باتت تتحدث الآن غالباً من خلال عدسة المصالح الجيوسياسية للدولة. وهنا تحديداً تكمن نقطة ضعف الأساس الأخلاقي للفكر الإسلامي.

 

ومن العوامل الأخرى التي تغذي هذا التحول إعادة إحياء الذاكرة الطائفية. فقد عادت آثار التنافس العثماني الصفوي إلى الظهور في النقاشات السياسية المعاصرة. ولا سيما مع الحرب السورية، فقد تحول انتقاد إيران في كثير من الأحيان من تحليل سياسي إلى رد فعل طائفي تلقائي.

 

هذا الوضع في الواقع جزء من تحول فكري أوسع. ومن أبرز الاتجاهات التي ظهرت في العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة استبدال المبادئ الأخلاقية بردود فعل الهوية. فكثيراً ما تُدار النقاشات السياسية لا على أساس مبادئ عالمية كالعدل والحرية والحقيقة، بل على أساس الطائفية والقومية والانتماء السياسي.

 

اليوم، في العالم الإسلامي، غالباً ما تتصدر الهوية الطائفية على حساب الشعور بالعدالة.

 

إن حقيقة أن العديد من الأوساط تؤكد على مفهوم المجتمع المسلم عندما يتعلق الأمر بفلسطين، ولكنها تتخلى بسرعة عن هذا الخطاب نفسه عندما يتعلق الأمر بإيران، هي أوضح دليل على هذا التناقض.

 

هنا نواجه مشكلة أعمق: الجفاف الفكري للفكر الإسلامي. ففي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، شهدت الأوساط الإسلامية في تركيا نشاطاً فكرياً ملحوظاً. وقد ساهمت المجلات وأنشطة الترجمة ومنصات النقاش في جلب تيارات فكرية من العالم الإسلامي إلى تركيا.

 

شهدت تلك الفترة نقاشًا واسعًا حول نقد علي شريعتي للمجتمع، ومقترحات فضل الرحمن للتفسير التاريخي، ومناقشات حسن حنفي حول الحضارة. وفي الوقت نفسه، رسّخت الأوساط الفكرية السورية نفوذًا كبيرًا. وعلى وجه الخصوص، دعت أفكار جودت سعيد حول اللاعنف والتحول السلمي و”الجهاد اللاعنفي” إلى إعادة النظر في العلاقة بين النضال السياسي والمسؤولية الأخلاقية في العالم الإسلامي.

 

إن السمة المشتركة لهذه الشخصيات هي محاولتهم إعادة التفكير في الفكر الإسلامي ليس فقط كمسألة قوة سياسية، ولكن أيضًا من حيث الأخلاق والحرية والكرامة الإنسانية.

 

لكن اليوم، ضعفت هذه الأسس الفكرية إلى حد كبير. وغالباً ما اختُزلت النقاشات إلى جدلٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، وشعارات، وخطبٍ شعبية. وعندما يحلّ رد الفعل محلّ الفكر، والدعاية محلّ التحليل، تضعف القدرة النقدية للحركة الإسلامية بطبيعة الحال.

 

مع ذلك، يُعدّ ادعاء الأخلاق العالمية أحد أبرز ركائز الفكر الإسلامي. وكما يؤكد فضل الرحمن مرارًا، فإنّ الغاية الأساسية للقرآن الكريم ليست بناء مبادئ أخلاقية عالمية استنادًا إلى أحداث تاريخية محددة. وبالمثل، يرى علي شريعتي أن أكبر أزمة تواجه المجتمعات الإسلامية هي الجمود الفكري. فبحسب رأيه، عندما يتحول الدين إلى أيديولوجية تحافظ على الوضع الراهن، يفقد قدرته على إحداث تغيير اجتماعي.

 

هذا هو الوضع الراهن تحديداً. فمع تحوّل الخطاب الإسلامي إلى مجرد شعارات سياسية، يتراجع مطلب العدالة الشاملة. ويُذكّرنا النقاش الدائر حول إيران بهذه الحقيقة مجدداً.

 

تكمن المشكلة في أن الفكر الإسلامي قد انحصر ضمن حدود الطائفية والدولة، ففقد نطاقه العالمي. إن حقيقة أن الحركات التي كانت تتحدث باسم الأمة الإسلامية تتحدث الآن بلغة الدول القومية الجيوسياسية لا تُعدّ تحولاً سياسياً فحسب، بل هي أيضاً انحسار فكري خطير.

 

ما لم تُطوّر المجتمعات الإسلامية منظورًا للعدالة يتجاوز الحدود الطائفية والقومية، ستستمر هذه الأزمة في التفاقم. فمفهوم الأمة الإسلامية لا يقوم على الشعارات، بل على الاتساق الأخلاقي. واليوم، تكمن الحاجة الأكبر للعالم الإسلامي في الشجاعة الفكرية لإعادة ترسيخ هذا الاتساق.

  • Related Posts

    صراع البيادق في شمال سوريا

    صراع البيادق في شمال سوريا بقلم: خوشناف حامد

    كردستان العراق… عقدة الجغرافيا في صراع القوى الإقليمية.

    كردستان العراق… عقدة الجغرافيا في صراع القوى الإقليمية. بقلم: الدكتور مسعود حامد

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    صراع البيادق في شمال سوريا

    • من @massoud
    • مارس 17, 2026
    • 32 views
    صراع البيادق في شمال سوريا

    ايران و أزمة العقلية الإسلامية.

    • من @massoud
    • مارس 17, 2026
    • 56 views
    ايران و أزمة العقلية الإسلامية.

    كردستان العراق… عقدة الجغرافيا في صراع القوى الإقليمية.

    • من @massoud
    • مارس 17, 2026
    • 29 views
    كردستان العراق… عقدة الجغرافيا في صراع القوى الإقليمية.

    آلاف الأسرى الكرد بعد معارك الشيخ مقصود والأشرفية… معاناة مستمرة وقلق ينهش قلوب الأهالي

    • من @massoud
    • مارس 3, 2026
    • 77 views
    آلاف الأسرى الكرد بعد معارك الشيخ مقصود والأشرفية… معاناة مستمرة وقلق ينهش قلوب الأهالي

    توضيح صادر عن المكتب الخارجي للموحدين الدروز

    • من @massoud
    • فبراير 26, 2026
    • 86 views
    توضيح صادر عن المكتب الخارجي للموحدين الدروز

    بيان صادر عن مجلس سوريا الديمقراطية

    • من @massoud
    • فبراير 24, 2026
    • 311 views
    بيان صادر عن مجلس سوريا الديمقراطية