حين تسقط الأقنعة: الجولاني ومحاولة الالتفاف على القضية الكردية
بقلم: الدكتور مسعود حامد
لم يكن ظهور أبو محمد الجولاني، أو أحمد الشرع كما يحلو له أن يُقدَّم حديثاً، مجرد إطلالة إعلامية عابرة، بل كان محاولة محسوبة لنسج مكيدة سياسية جديدة، هذه المرة عبر بوابة كردية، ومن خلال قناة يُفترض أنها قريبة من رمز كردي تاريخي بحجم الرئيس مسعود بارزاني. ظنّ أن الطريق إلى ضرب الكرد يمرّ من الكرد أنفسهم، لكنه تجاهل حقيقة أساسية: الكرد اليوم أكثر وعياً، وأكثر خبرة، وأقل قابلية للانخداع بالشعارات الناعمة.
نجح اللقاء شكلياً، نعم، لكن المضمون فضح النوايا. فالقضية الكردية لم تعد ورقة يمكن الالتفاف عليها بخطاب مزدوج أو بابتسامة إعلامية. هي قضية شعب قدّم التضحيات، وواكب التجربة، وتعلّم كيف يميّز بين من يحترمه ومن يستثمر فيه.
الجولاني حاول أن يُقدّم نفسه بثوب جديد، ففصل الكرد عن قسد، مدّعياً أنه “يحب الكرد” ويعادي قسد بوصفها “تنظيماً إرهابياً”. كلام يبدو للوهلة الأولى دبلوماسياً، لكنه يسقط عند أول امتحان للتاريخ. كيف لمن خرج من رحم القاعدة، وتنقّل بين رايات التطرف، ولامس تجربة داعش، أن يمنح دروساً في الوطنية أو يوزّع شهادات البراءة والإدانة؟ أي ذاكرة يراهن عليها؟ وأي شعب يعتقد أنه نسي؟
الأخطر من ذلك، محاولته استدعاء خطاب الاستخبارات التركية بحذافيره، وتوجيهه نحو الجنرال مظلوم عبدي، أحد أبرز القادة الذين واجهوا الإرهاب فعلاً لا قولاً. الجنرال مظلوم لم يكن نتاج غرف مظلمة ولا صفقات مشبوهة، بل خرج من ميادين القتال ضد داعش، وحمل مشروعاً واضحاً في حماية شمال وشرق سوريا بكل مكوناته، وفي مقدمتهم الكرد. وقسد، رغم كل حملات التشويه، كانت وما تزال القوة الأكثر جدية في محاربة الإرهاب، بشهادة العالم، لا بخطابات منابر.
أما الحديث عن “تنظيمات” و”انتماءات”، فيبدو انتقائياً إلى حد الفضيحة. فالجولاني يتناسى، أو يتناسى عمداً، سجله في العراق، وعمليات القتل التي طالت مدنيين وأطفالاً، ويتجاوز كل ذلك ليقدّم نفسه ناقداً أخلاقياً للآخرين. هذا ليس تحوّلاً سياسياً، بل إعادة تدوير للخطاب نفسه بواجهة مختلفة.
وفي المقابل، يبقى الرئيس مسعود بارزاني حالة مختلفة. رمز وطني كردي، مُنح الشرعية من شعبه، لا من صفقات عابرة. مواقفه من القضية الكردية، ومن الاستقرار، ومن محاربة التطرف، كانت دائماً واضحة، بعيدة عن المزايدات، وقائمة على مبدأ الشراكة لا الخداع. ولهذا تحديداً، فإن محاولة استغلال رمزيته أو القرب منها لن تمرّ على الكرد بسهولة.
الخلاصة بسيطة: الكرد ليسوا سذّجاً، ولا قسد تنظيم طارئ يمكن شطبه بخطاب إعلامي، ولا مظلوم عبدي قائد يمكن اختزاله بجملة جاهزة. من يريد فعلاً أن يخاطب الكرد، عليه أولاً أن يواجه تاريخه، وأن يعترف بالحقائق، لا أن يتهرّب منها. أما زمن المكايد، فقد ولّى، ومعه كل من يظن أن الذاكرة الكردية قصيرة







