بقلم: الكاتب و الصحفي مانيسا النقشبندي

تعيش مناطق شمال وشرق سوريا مرحلة مفصلية تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الإقليمي مع الحسابات الدولية في ظل غياب حل سياسي شامل للأزمة السورية وبينما تتجه الأنظار غالباً إلى التطورات العسكرية فإن ما يجري على الأرض يعكس في جوهره صراعاً على الشكل السياسي للمنطقة ومستقبل إدارتها.
يشكل الكرد أحد المكونات الأساسية في شمال وشرق سوريا وقد أتاح لهم انهيار مؤسسات الدولة في سنوات الحرب الأولى ملء فراغ إداري وأمني عبر نموذج إدارة ذاتية تشاركي ضم إلى جانبهم مكونات عربية وسريانية هذا النموذج الذي نشأ بدعم دولي في إطار الحرب على تنظيم داعش لم يحظ باعتراف رسمي لكنه تحول إلى واقع عملي يدير شؤون ملايين السكان.
غير أن هذا الواقع ظل محاطاً برفض إقليمي خاصة من تركيا التي تنظر بقلق إلى أي تجربة حكم ذاتي كردية على حدودها الجنوبية وبحذر دولي يفضل إدارة الأزمة بدل حسمها.
في هذا الإطار تعتمد أنقرة سياسة ضغط مستمر عبر الضربات الجوية والطائرات المسيرة واستهداف مرافق خدمية هذا التصعيد لا يهدف إلى حرب شاملة بقدر ما يسعى إلى إبقاء المنطقة في حالة عدم استقرار ومنعها من التحول إلى كيان سياسي متماسك أو نموذج حكم قابل للاستمرار.
يستمر الوجود العسكري الأمريكي في شمال وشرق سوريا ضمن إطار واضح المعالم… مكافحة الإرهاب ومنع عودة تنظيم داعش غير أن هذا الوجود لا يرقى إلى مستوى الالتزام السياسي إذ تحرص واشنطن على تجنب الصدام مع تركيا ما يجعل دعمها محدوداً بالبعد الأمني ويترك مستقبل المنطقة عرضة للتجاذبات الإقليمية.
في المقابل تسعى حكومة دمشق المؤقتة إلى استعادة نفوذها عبر مقاربة طويلة الأمد تقوم على التفاوض والاحتواء الأمني دون تقديم تنازلات سياسية جوهرية أي عودة محتملة لسلطته في غياب اعتراف فعلي بخصوصية المنطقة وتعدديتها قد تعيد إنتاج أسباب التوتر التي سبقت النزاع.
إلى جانب الضغوط الخارجية يبرز الانقسام الذي كان داخل الصف الكردي كأحد عوامل الإضعاف الأساسية هذا الانقسام لا يؤثر فقط على وحدة القرار بل يحد من القدرة على التفاوض وفرض الشروط ويمنح الأطراف الخارجية مساحة أوسع للتأثير في مسار الأحداث هذا الذي جعل الشارع الكردي يشعر بالخوف من التفتت الذي سيودي بهم للهاوية وكانت مظاهرات اوروبا الداعية لوحدة الصف الكردي رداً على الطبقة السياسية “لم نعد نرغب بالفرقة ”
Hûn nebin yek hunê herin yek biyek
لا يواجه شمال وشرق سوريا خطر الانهيار الفوري لكنه يعيش حالة استنزاف سياسي وأمني متواصل يجب أخذها بعين الاعتبار من القوى السياسية الفاعلة على الارض اقصد القوى السياسية الفاعلة في المجتمع الكوردي السياسي.
المنطقة عالقة بين تصعيد إقليمي محسوب وحضور دولي متردد و انقسامات داخلية يجب أن تحسم.
وفي ظل هذا الواقع يبقى مستقبلها مرتبطاً بقدرة القوى المحلية على تعزيز التماسك الداخلي وتحويل تجربة الإدارة القائمة من واقع مؤقت إلى مشروع سياسي قابل للحياة ضمن سوريا وعلى الغرب أن يأخذ بعين الاعتبار القنبلة النووية الشعبية الكوردية.
27/1/2026







