الإعلام حين يُختزل إلى بوق… تسقط السلطة قبل أن يسقط الخبر
بقلم: الدكتور مسعود حامد
أعلمُ جيداً أن هناك من سيقول لي ليس هذا وقتها الآن، لكن بما أنها بداية جديدة يجب أن تُبنى بشكل صحيح.
ليست المشكلة في ضعف الإمكانات، ولا في قلة الكوادر، ولا حتى في شحّ الموارد. المشكلة أعمق من ذلك بكثير. المشكلة في عقليةٍ ترى الإعلام زينةً شكلية، أو منصةً للتطبيل، أو لافتةً تُرفع عند الحاجة وتُرمى عند أول سؤالٍ حقيقي.
في روجآفا، يُفترض أن يكون الإعلام المحلي خط الدفاع الأول عن الحقيقة، وصوت المجتمع، ومرآة الناس. لكنه يُعامل كملحقٍ هامشي، تُلقى إليه الفتات من المعلومات، وتُفرض عليه روايات جاهزة، ثم يُطلب منه أن يُصفّق.
أي سلطةٍ تخشى كاميرا صحفي أو سؤال مراسل، لا تخشى الفوضى… بل تخشى الحقيقة.
وأي إدارةٍ تمنع المعلومة عن إعلامها المحلي، ثم تستغرب لجوءه إلى مصادر خارجية، هي من صنعت المهزلة بيدها.
كيف يمكن لإعلامٍ وطني أن يكون مهنياً، وهو يُقصى من الوصول إلى مصادر القرار؟
كيف يُطلب من الصحفي أن يكون موضوعياً، بينما تُفرض عليه صيغة الخبر قبل أن يُمسك القلم؟
وكيف تُرفع شعارات الشفافية، فيما تُدار الملفات الحساسة خلف أبوابٍ مغلقة، وكأن الجمهور عدوّ يجب تحييده لا شريك يجب احترامه؟
الإعلام ليس بوقاً للانتصارات الوهمية.
ليس منشوراً دعائياً.
ليس بياناً عسكرياً يُعاد تدويره بصيغةٍ عاطفية.
الإعلام سلطة رقابية.
سلطة مساءلة.
سلطة كشف.
السلطات التي تحوّل وسائلها إلى أدوات تمجيد، ترتكب خطأً مزدوجاً:
تُضعف ثقة الناس بها، وتُهين كوادرها الإعلامية في آنٍ معاً.
المؤسسات التي لا تحترم صحفييها، ولا تمنحهم حق الوصول إلى المعلومة، ولا تؤمن بقدرتهم على إدارة نقاشٍ ناضج، تعلن عملياً أنها تخاف مجتمعها.
والسلطة التي تخاف مجتمعها، لا يمكن أن تكون خادمةً له.
الاحترام لا يُشترى ببيانٍ رسمي.
والثقة لا تُبنى بالشعارات.
والشرعية لا تُصنع عبر نشراتٍ ملوّنة تخفي أكثر مما تكشف.
حين يتحول الإعلام إلى بوق، تتآكل هيبة الدولة نفسها.
وحين يُقمع السؤال، يولد الشك.
وحين يُمنع النقد، ينفجر الاحتقان.
الإعلام الحر ليس تهديداً للسلطة النزيهة.
بل هو درعها.
أما السلطة التي تريد فقط من يمدحها…
فهي لا تبحث عن إعلام، بل عن صدى صوتها
افتحوا أبواب مؤسساتكم على مصاريعها… لا أمام الكاميرات المروّضة، بل أمام إعلامٍ حرٍّ لا يخضع لإملاءاتكم.
افتحوا الأدراج المقفلة، والملفات التي أُغلقت بقرارٍ سياسي، والحسابات التي دُفنت تحت شعارات الوطنية. دعوا الضوء يدخل إلى الغرف التي اعتادت العتمة، ودعوا الشعب يرى بأمّ عينه أين ذهبت أمواله، ومن تاجر بآلامه، ومن حوّل تضحيات أبنائه إلى صفقاتٍ خاصة.
من كان نظيفاً، فلن يخشى كشفاً ولا تحقيقاً.
ومن كانت يداه ملوثتين، فليعلم أن زمن الاختباء خلف البيانات الرنانة قد انتهى.
نطالب بكشفٍ كاملٍ وعلنيّ لكل ملفات الفساد، بلا خطوط حمراء، بلا حصانات، بلا استثناءات.
وليُحال كل من سرق لقمة الناس أو استثمر دماء الشهداء إلى القضاء، لا إلى منصبٍ جديد، ولا إلى لجنةٍ لطمس الحقائق.
الشفافية ليست منّةً من السلطة.
المحاسبة ليست خياراً تجميلياً.
بل هما الحدّ الأدنى من احترام شعبٍ دفع من دمه ما يكفي ليشتري مستقبلاً لا تُنهشه السرقة ولا تحكمه العصابات المقنّعة بصفة مسؤولين.
افتحوا الأبواب…
أو اعترفوا أنكم تخشون ما خلفها






