كردستان العراق… عقدة الجغرافيا في صراع القوى الإقليمية.
بقلم: الدكتور مسعود حامد
في خضمّ التحولات العاصفة التي تضرب الشرق الأوسط، يبرز إقليم كردستان العراق مرة أخرى كأحد أهم العقد الجيوسياسية في المنطقة، الأمر الذي يجعله هدفاً دائماً لحسابات القوى الإقليمية وصراعاتها الخفية. فالإقليم الذي استطاع خلال السنوات الماضية أن يبني تجربة سياسية وإدارية مستقرة نسبياً، وسط بحر من الفوضى والحروب، بات اليوم في مواجهة محاولات متزايدة لجرّه إلى صراعات لا تخدم مصالح شعبه ولا استقرار المنطقة.
تشير العديد من المعطيات إلى أن بعض القوى الإقليمية تعمل على تصدير أزماتها وصراعاتها إلى محيطها، وفي مقدمتها تركيا التي تحاول، بشكل مباشر أو غير مباشر، تحويل جغرافية إقليم كردستان إلى ساحة ضغط وممرٍ لتصفية حسابات سياسية وأمنية. هذه السياسات لا يمكن فصلها عن الرغبة الدائمة لدى بعض الأطراف في إبقاء الإقليم تحت ضغط مستمر، ومنعه من التحول إلى نموذج مستقر وقوة سياسية فاعلة في المنطقة.
وتأتي هذه التحركات في لحظة إقليمية شديدة الخطورة، مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهي مواجهة مفتوحة على احتمالات واسعة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يصبح إقليم كردستان هدفاً لمحاولات الاستدراج إلى معركة ليست معركته، مستفيدين من موقعه الاستراتيجي الحساس بين عدة قوى متصارعة.
غير أن الواقع السياسي في الإقليم يُظهر إدراكاً واضحاً لحجم هذه المخاطر. فقيادة إقليم كردستان تدرك أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتحييد الإقليم عن صراعات المحاور هو الخيار الاستراتيجي الوحيد لحماية التجربة الكردستانية التي دُفعت لأجلها تضحيات كبيرة عبر عقود طويلة.
إن استقرار إقليم كردستان لا يشكل تهديداً لأحد، بل يمثل عنصر توازن في منطقة مضطربة. وأي محاولة لزجّه في صراعات إقليمية أو تحويل أراضيه إلى ساحة صراع بالوكالة لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمات في المنطقة. لذلك فإن حماية استقرار الإقليم ليست مسؤولية قيادته فقط، بل مصلحة إقليمية ودولية أيضاً، لأن أي خلل في هذا الاستقرار قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين في الشرق الأوسط.






