سوريا بين ضباب المرحلة الانتقالية واستقرار شمال شرق البلاد
تقرير :زڤين أوصمان
دمشق – بعد أشهر قليلة على سقوط نظام الأسد، تبدو سوريا وكأنها تقف على حافة مفترق طرق غير واضح المعالم. الحكومة الانتقالية التي يفترض أن تقود البلاد نحو مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة الإعمار، تبدو حتى الآن غارقة في التجاذبات السياسية والصراع على النفوذ. أكثر ما يثير انتقادات السوريين اليوم هو تنامي الفساد داخل مؤسسات الدولة الجديدة، وتراجع الثقة الشعبية مع كل ملف يُفتح ويتحوّل إلى فرصة لتصفية حسابات أو تقاسم حصص.
اقتصادياً، يرتفع منسوب القلق يوماً بعد يوم نتيجة غياب خطة واضحة لإنعاش السوق المتهالك، وتدهور العملة، وتوقف عجلة الإنتاج. أما أمنياً، فتتكاثر الحوادث التي تكشف عن هشاشة الأجهزة القائمة حالياً، ما يجعل السوريين يشعرون بأن التغيير الذي حلموا به لم يصل إلى العمق بعد.
في مقابل كل هذا المشهد المضطرب، يواصل شمال شرق سوريا السير بإيقاع مختلف. ورغم ظهوره أيضاً على لائحة المناطق التي تشهد حالات فساد أو خلل أمني بين حين وآخر، إلا أنّ الإدارة الذاتية هناك ما زالت قادرة على ضبط الأمور بشكل أفضل، والحفاظ على مستوى من الخدمات والاستقرار الأمني يبدو مفقوداً في بقية البلاد. قوات سوريا الديمقراطية، التي كان لها الدور الأكبر في حماية المنطقة ودحر الإرهاب سابقاً، تواصل دورها اليوم في منع الانفلات الأمني وحماية مكاسب السكان المحليين.
مصادر محلية في القامشلي والحسكة تؤكد أن نجاح المنطقة هناك لم يأتِ من فراغ، بل من بنية سياسية أقرب إلى المشاركة الشعبية، ومن مؤسسات أمنية أقل خضوعاً للولاءات الضيقة. وبينما تنشغل الحكومة الانتقالية في اقتسام النفوذ بين القوى التقليدية، يبدو أن التجربة في شمال شرق سوريا تطرح نموذجاً مختلفاً، قد يشكّل رافعة للمرحلة المقبلة إذا أُحسن استثماره.
في نهاية المطاف، أمام سوريا فرصة نادرة لإعادة بناء الدولة على قواعد جديدة من الشفافية والمساءلة والعدالة. لكن هذه الفرصة قد تضيع إن استمر الفساد في التمدد داخل مؤسسات الحكم الانتقالي. أما الإدارة الذاتية، فرغم كل التحديات، ما زالت تقدّم برهاناً ملموساً على أن الأمن والاستقرار قابلان للتحقيق حين يكون المواطن شريكاً لا مجرد متفرّج.
ويبقى السؤال الأهم: هل تتعلم السلطة الجديدة من التجربة التي أثبتت نفسها في شمال شرق سوريا، أم تستمر في إعادة إنتاج أخطاء الماضي بطريقة لا تحتملها البلاد مجدداً؟







