بقلم: الكاتبة و الصحفية سوسن أمين

في شمال وشرق سوريا، لم يعد النزوح حدثًا عابرًا ولا الحرب خبرًا عاجلًا يُنسى مع تبدّل العناوين، هناك في روج آفا تتآكل الحياة بصمت تحت ثقل البرد والجوع والخوف يُدفع مئات الآلاف من المدنيين إلى حافة الوجود، حيث يصبح البقاء نفسه معركة يومية.
– إن ما يجري اليوم ليس أزمة إنسانية تقليدية إنها انهيار شامل للحدّ الأدنى من مقومات الكرامة الإنسانية، تتقاطع فيه آلة الحرب مع قسوة الشتاء ويتحوّل فيه النزوح القسري إلى قدر متكرر لعائلات أنهكتها سنوات من التهجير المستمر.
أطفال بلا دفء نساء بلا حماية عائلات بلا مأوى ومدن تُستنزف فوق طاقتها، بينما يخيّم الصمت الدولي كظل ثقيل يضاعف حجم المأساة، روج آفا اليوم لا تصرخ طلبًا للشفقة، بل ترفع شهادة إنسانية دامغة على كارثة تُرتكب أمام أعين العالم.
– إن شتاء النزوح والموت الصامت يرخي بظلاله الثقيلة على روج آفا
التي دخلت مرحلة إنسانية شديدة الخطورة تتجاوز في تعقيدها ما شهدته المنطقة في مراحل سابقة من النزاع السوري، فالأزمة الحالية لا تُختزل في صدام عسكري أو توتر أمني عابر، بل تتجسد في كارثة إنسانية مركّبة تتداخل فيها موجات النزوح القسري والانتهاكات المستمرة بحق المدنيين مع شتاء قاسٍ وبنية تحتية منهكة متهالكة لا ترقى للمستوى المطلوب من الكارثة الإنسانية التي حلت على مناطق روج أفا مع حصار طويل الأمد يقابله صمت دولي يرقى إلى مستوى التواطؤ غير المباشر.
– فالنازحون الذين وصلوا مؤخرًا إلى روج آفا ليسوا فقط ضحايا أحداث آنية بل هم عائلات استُنزفت عبر سنوات من التهجير المتكرر، معظمهم من مهجّري عفرين الذين أُجبروا منذ عام 2018 على التنقل بين الشهباء، ثم الطبقة والرقة ليجدوا أنفسهم اليوم مرة أخرى في مواجهة فقدان المأوى وانعدام الأمان والبرد القارس دون أي ضمانات للحماية أو الاستقرار.
– فبالنظر إلى روج آفا من الناحية الجغرافية والسكانية في ظل ضغط النزوح المتراكم، فإنها تمتد على مساحة جغرافية واسعة تضم مدنًا رئيسية مثل قامشلو والحسكة وديريك وعامودا والدرباسية وكركي لكي، إضافة إلى عشرات البلدات والقرى.
– هذه المناطق التي شكّلت خلال السنوات الماضية نموذجًا للاستقرار النسبي مقارنة بمناطق سورية أخرى، تحولت تدريجيًا إلى واحدة من أكبر مناطق الاستقبال للنازحين منذ عام 2011.
– فقبل موجات النزوح الأخيرة كانت روج آفا تستضيف مئات الآلاف من النازحين من مختلف المحافظات السورية إلى جانب مهجّري عفرين والشهباء منذ عام 2018 وحتى اليوم، ليدخل هذا التراكم السكاني الطويل الأمد وضع المنطقة أصلًا تحت ضغط كبير من حيث السكن والخدمات والموارد.
– ومع التصعيد الأخير في الطبقة والرقة ومحيط الحسكة، والانتهاكات والمجازر بحق المدنيين، شهدت روج آفا موجة نزوح واسعة خلال فترة زمنية قصيرة، وبحسب الإحصاءات الأولية التي أعدّها الهلال الأحمر الكردي ولجان المهجّرين وبعض المنظمات المدنية، فإن العدد التقديري للوافدين الجدد بلغ نحو 250 ألف فرد وهو رقم غير نهائي ومرشح للارتفاع في ظل استمرار النزوح وعدم استقرار مواقع التمركز ضمن المدن والبلدات أمام انهيار القدرة الاستيعابية لها….. فقامشلو التي تُعد المركز السكاني والإداري الأبرز استقبلت وحدها أعدادًا كبيرة من العائلات النازحة، ووفق المعطيات الميدانية مثلاً جرى توزيع نحو 1300 عائلة نازحة جديدة داخل مدينة قامشلو خلال الفترة الأخيرة إضافة إلى عائلات كانت قد نزحت إليها خلال العام الماضي، ليصل العدد الإجمالي للعائلات النازحة في المدينة إلى نحو 2000 عائلة.
– وعلى امتداد الخط الجغرافي من ديريك إلى كركي لكي، تم تسجيل وجود ما يقارب 800 أسرة نازحة، في حين استقبلت مدينتا الدرباسية وعامودا نحو 300 أسرة في حين أن هذه الأرقام لا تشمل مئات العائلات التي لجأت إلى أقاربها بشكل غير رسمي ما يعني أن الحجم الحقيقي للنزوح أكبر من الأرقام الموثقة.
– هذا الضغط السكاني الهائل تجاوز القدرة الاستيعابية الطبيعية للمدن وخلق اختلالًا واضحًا في توازن الخدمات والسكن، وفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.
– وفي ظل عدم القدرة على فتح مخيمات جديدة – بسبب البرد القارس وضعف الإمكانيات وعدم توفر مستلزمات التدفئة – اضطرت الجهات الإنسانية إلى تحويل المدارس إلى مراكز إيواء مؤقتة، وبحسب الهلال الأحمر الكردي، تم توزيع العائلات النازحة على نحو 80 مدرسة في مدينة قامشلو وحدها، إضافة إلى عشرات المدارس في الحسكة، عامودا، وديريك.
– كما توجّه عدد من العائلات إلى مخيم نوروز، في حين لجأت مئات الأسر إلى مراكز إيواء أهلية أو إلى منازل أقاربهم، معظمهم من مهجّري عفرين والشهباء سابقًا.
– هذه المدارس، التي لم تُجهّز أصلًا للسكن، تعاني من اكتظاظ شديد، وغياب شبه كامل لوسائل التدفئة وضعف المرافق الصحية وانعدام الخصوصية، ما يجعلها بيئة غير آمنة صحيًا ونفسيًا، خاصة للأطفال والنساء.
أما بما يخص البنية التحتية للمنطقة فإنها تعمل عند حدودها القصوى، فشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي تواجه ضغطًا غير مسبوق نتيجة الزيادة المفاجئة في عدد السكان، المراكز الصحية التي تعاني أصلًا من نقص في الكوادر والتجهيزات، أصبحت عاجزة عن تلبية الاحتياجات المتزايدة.
– هذا الضغط يتفاقم مع استمرار النزوح من مدينة الحسكة نفسها، حيث بدأت عائلات سواء من النازحين السابقين أو من السكان الأصليين، بمغادرة المدينة خوفًا من تدهور الوضع الأمني، خاصة بعد التعديات على سجون داعش، وفرار عناصر منها، وتفريغ أجزاء من مخيم الهول، ما أثار حالة هلع واسعة بين المدنيين.
– كما وتزامن النزوح الجماعي مع شتاء قاسٍ يضرب مناطق روج آفا حيث تنخفض درجات الحرارة بشكل حاد، ما أدى إلى معانات العوائل النازحة وخاصة في المدارس ومراكز الإيواء من نقص شديد في المازوت ووسائل التدفئة والبطانيات والملابس الشتوية.
– الغذاء بدوره يشهد نقصًا متزايدًا، سواء بسبب ضعف الإمدادات أو ارتفاع الأسعار، فيما تعاني الأدوية والمستلزمات الطبية من شح كبير لا سيما أدوية الأطفال والأمراض المزمنة.
– اما في مدينة كوباني، الوضع أكثر خطورة حيث لا تزال المدينة تعاني من حصار خانق أدى إلى انقطاع المياه والكهرباء والإنترنت، ونقص حاد في المازوت والأدوية، ووفق الإحصاءات الصحية المتوفرة تم تسجيل وفاة أربعة أطفال بسبب البرد القارس، في مؤشر خطير على عمق الأزمة، كما وتشير المعطيات الميدانية إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الحالات المرضية خاصة بين الأطفال وكبار السن نتيجة البرد والاكتظاظ وسوء التغذية، فيما تحولت المدارس ومراكز الإيواء إلى بؤر محتملة لانتشار الأمراض التنفسية والجلدية.
– ورغم أن الإحصاءات الدقيقة لحالات المرض والوفيات لا تزال قيد التحديث بسبب استمرار النزوح، إلا أن المؤشرات الحالية تنذر بكارثة صحية وشيكة إذا لم يتم التدخل العاجل.
– كما وأن العمل الإنساني وعمل الكوادر الطبية لم يسلم من الانتهاكات وعلى راسها الهلال الأحمر الكردي، حيث تم أسر عشرات من الكوادر الطبية أثناء قيامهم بواجبهم الإنساني في معالجة الجرحى والمصابين والذين كان معظمهم من المدنيين منذ السادس من الشهر الجاري إضافتاً إلى تعرّض المركز الأساسي للهلال الأحمر الكردي لهجوم أدى إلى أضرار مادية جسيمة وتدمير أجزاء من بنيته الأساسية.
– هذا الاستهداف المباشر للعمل الإنساني ينعكس بشكل خطير على المدنيين، ويقوّض القدرة على الاستجابة الطارئة، كما ويشكّل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني.
وقد كان النساء والأطفال الوجه الأشد قسوة للأزمة ليعتبروا الفئة الأكثر تضررًا من موجات النزوح المتكررة، لأن معظم النساء يتحملن عبء إعالة أسرهن في هذه الظروف القاسية، كما وأن الأطفال يُحرمون من التعليم ويعيشون في بيئات غير آمنة نفسيًا وصحيًا.
فالصدمات المتراكمة وفقدان الإحساس بالأمان وغياب أي أفق للاستقرار، تهدد جيلًا كاملًا وتضع المجتمع أمام تحديات اجتماعية وإنسانية طويلة الأمد.
ــ من هنا، يصبح من المستحيل التعامل مع الكارثة الإنسانية في روج آفا بوصفها حدثًا منفصلًا عن واقعها العسكري والسياسي؛ فالاشتباكات المستمرة والانتهاكات الممنهجة بحق المدنيين، والحصار المفروض على مناطق واسعة لا تشكّل مجرد خلفية للأزمة، بل تمثل جوهرها العميق والعائق الأكبر أمام أي استجابة إنسانية حقيقية وفعّالة.
– في ظل هذا الواقع تُفرَغ الجهود الإنسانية من مضمونها وتُترك الفئات الأكثر ضعفًا لمواجهة مصيرها دون حماية أو سند، ورغم وجود مساعٍ محدودة على المستويين الدولي والإقليمي، بما فيها محاولات من قبل إقليم كردستان العراق لفتح ممرات إنسانية وتأمين الحد الأدنى من الحماية للمدنيين، إلا أن هذه الجهود ما تزال قاصرة عن حجم المأساة، ولا ترقى إلى مستوى الاحتياجات الفعلية لمئات الآلاف من المتضررين.
– فالاستجابة الجزئية في مواجهة كارثة شاملة لا تعني سوى إطالة أمد المعاناة وتأجيل الانهيار بدل منعه.
– إن الأرقام التي أُشير إليها ليست مجرد بيانات جامدة أو إحصاءات عابرة، إنما هي شهادات حيّة على مأساة إنسانية تتفاقم يومًا بعد يوم، نحو ربع مليون إنسان في روج آفا يعيشون اليوم بين النزوح والبرد والخوف، محرومين من أبسط مقومات الحياة، في ظل عجز محلي متزايد، وصمت دولي مقلق واستهداف مباشر ومتكرر للعمل الإنساني، ما يجعل النجاة نفسها معركة يومية.
– إن استمرار هذا الواقع دون تدخل عاجل وجاد لا يعني سوى المزيد من الضحايا، والمزيد من التصدّع في النسيج الاجتماعي والإنساني للمنطقة. روج آفا اليوم لا تطلب امتيازًا سياسيًا ولا تسعى إلى اعتراف أو مكاسب خاصة بل تطالب بأبسط الحقوق الإنسانية: حماية المدنيين، فتح الممرات الإنسانية، وضمان الحد الأدنى من شروط العيش الكريم لمن وجدوا أنفسهم عالقين في قلب صراع لم يختاروه.
– ما تشهده روج آفا في هذه اللحظة ليس أزمة محلية فحسب، بل اختبار أخلاقي حقيقي لضمير الإنسانية جمعاء؛ اختبار يفصل بوضوح بين القيم التي تُرفع في الخطابات الدولية، وبين الالتزامات التي تُترجم أفعالًا على الأرض، فالنازحون هنا لا يواجهون خطر النزوح وحده بل يواجهون خطر النسيان، خطر أن تتحول معاناتهم إلى أرقام باردة في تقارير عاجلة لا تحرّك إرادة ولا توقظ مسؤولية.
– إن ترك هذا الواقع يستمر يعني المزيد من الأطفال الذين يفقدون حياتهم بسبب البرد والجوع، والمزيد من النساء اللواتي يُتركن وحيدات في مواجهة الفقد والحرمان، والمزيد من الانهيار الاجتماعي الذي ستدفع المنطقة ثمنه لسنوات طويلة قادمة، فالدمار الإنساني لا يتوقف عند لحظة النزوح، بل يمتد أثره إلى أجيال كاملة.
– روج آفا اليوم لا تطالب بمعجزات، ولا تناشد المستحيل، بل تنادي بحق إنساني بديهي في الحياة والأمان والكرامة.
– الوقت ينفد، وكل تأخير إضافي ليس حيادًا، بل قرار غير معلن بترك الأرواح تُفقد في صمت.
– والتاريخ كما كان دائمًا، لن يسأل عمّن كان على علم بما يحدث بل عمّن امتلك القدرة على الفعل واختار الصمت.







