بقلم : طارق النقشبندي

لم يكن صمت تلك الصفحات المناوئة للإدارة الذاتية في السابق صدفة ولم يكن اليوم صراخها المتأخر بطولة ما نشهده ليس صحوة ضمير بل تبدل في اتجاه الريح.
أين كانت كل هذه الأصوات الغاضبة عندما كان الوجود الأمريكي حاضراً بثقله؟
أين كانت تلك الأقلام التي تملأ الفضاء اليوم بالاتهامات والتخوين؟
الحقيقة البسيطة والمؤلمة كانت موجودة لكنها كانت صامتة.
الصمت آنذاك لم يكن حكمة بل حسابات.
بعضهم كان خوفاً من الكلفة والخسارة لأن قسماً ليس بالقليل منهم كان مستفيداً من موقع او مكانة ما ضمن هذه الادارة والقسم الأخر من المواجهة من الخروج عن السياق المفروض من قبل مصالحهم الهشة الآنية أو كان إدراكاً أن الكلام في ظل توازن قوة مختلف قد يكلف صاحبه الكثير فاختاروا السلامة على حساب الحقيقة.
لكن ما إن بدأت ملامح التراجع الأمريكي تظهر حتى خرجت هذه الصفحات من جحورها دفعة واحدة وكأنها كانت تختنق بالكلام لسنوات فجأة أصبح الجميع ثوريين وأصبح النقد الذي كانوا يخافون منه على مصالحهم بالأمس واجباً اليوم…
أي شجاعة هذه التي تولد بعد زوال الخطر؟
وأي مواقف هذه التي لا تظهر إلا حين تصبح آمنة؟
الحقيقة أن جزءاً كبيراً من هذه الصفحات لا يتحرك بدافع المبدأ بل بدافع التموضع والمصالح.
هي ليست منصات رأي بل أدوات تتبدل مع تبدل المصالح تصمت حين يطلب منها الصمت وتهاجم حين يفتح لها الباب و تبالغ حين يراد منها التضخيم.
بل إن الأخطر من ذلك كله أن هذا الصراخ المتأخر لا يهدف إلى تصحيح مسار أو كشف خلل بل إلى إعادة تشكيل المشهد بما يخدم جهات أخرى.
إنها حرب روايات تدار بعناية وتضخ فيها الأصوات في توقيت محسوب.
هذا لا يعني أن الإدارة الذاتية بلا أخطاء أو أنها فوق النقد.
لكن النقد الحقيقي لا يولد من رحم الخوف ولا يأتي متأخراً بعد تغير المعادلات.
النقد الصادق يقال في وقته مهما كانت الكلفة لا بعد أن يصبح بلا ثمن.
ما نراه اليوم ليس شجاعة بل انتهازية متقنة.
وليس كشفاً للحقيقة بل استثماراً في لحظة ضعف.
في النهاية يبقى السؤال الذي يفضح كل شيء…
لو لم يتراجع الدعم الأمريكي… هل كنا سنسمع كل هذا الضجيج؟
الجواب واضح وصمته أبلغ من ألف مقال.




